عُمان.. سواعد تشيّد وعزائم تخلّد

 

 

عباس المسكري

 

في البدء، لا تبنى الأوطان بالحجارة وحدها، ولا تصان بالحدود والأسوار فحسب، بل تشيَّد في القلوب قبل أن تقام على الأرض، وعُمان، هذا الوطن العريق، لم يكن يومًا مجرد أرضٍ تسكن، بل كان معنىً يعاش، وقيمةً تورَّث، وروحًا تتجدد في كل جيل، حتى غدت نهضته انعكاسًا حيًّا لعزائم أبنائه وإرادتهم التي لا تلين.

وبناء عُمان ليس شعارًا يردَّد، بل مسؤولية تحمل، وعهدٌ يتجدد مع كل صباح، فحين تشمَّر السواعد، لا يكون الهدف إنجاز العمل فحسب، بل إتقانه حتى يبلغ حد الإحسان، عندها فقط تتحول الجهود الفردية إلى لبناتٍ راسخة في صرح الوطن، ويتحوّل العمل اليومي إلى فعلٍ حضاري يسهم في صناعة المجد واستدامة النهضة.

وفي قلب هذه المسيرة، يقف حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- قائدًا يجسّد الحِكمة، ويرسم ملامح الغد برؤي واعية وطموحٍ لا يعرف الحدود، وعلى رأس هذه التوجهات الوطنية، تبرز رؤية «عُمان 2040» بوصفها مشروعًا استراتيجيًا شاملًا، لا يقتصر على رسم الخطط، بل يؤسس لمرحلة جديدة من العمل المتجدد، ويضع الإنسان العُماني في صميم التنمية وغايتها، إنها رؤية تستنهض الهمم، وتدعو كل فرد أن يكون شريكًا في البناء، ومسهمًا في صناعة المستقبل، حتى تتكامل الجهود تحت قيادة تعرف الطريق، وتمضي بالوطن نحو آفاق أرحب من التقدم والازدهار.

وإذا كانت النهضات تقاس بما تنجزه، فإن استمراريتها تقاس بمن يحملها، وهنا يبرز الشباب بوصفهم الثروة الحقيقية للوطن، لا بما يملكونه، بل بما يستطيعون أن يصنعوه، إن الاستثمار في الإنسان، وتمكين الشباب، وصقل قدراتهم، الضمانة الأولى لاستمرار المسيرة، فهم الامتداد الطبيعي للحاضر، والجسر الذي تعبر عليه عُمان نحو مستقبلها، وبهم تتجدد العزائم وتخلَّد الإنجازات.

ومع تسارُع وتيرة العالم، لم تعد مواكبة العصر خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة؛ فالتكنولوجيا اليوم ليست مجرد أدوات، بل فضاءات جديدة للبناء والإبداع، وتسخيرها في خدمة الوطن يعني توجيهها نحو التنمية، وتعزيز الوعي، وفتح آفاق رحبة للإنتاج والابتكار، حتى تصبح قوةً تضاف إلى رصيد الوطن، لا عبئًا عليه.

وليس الدفاع عن عُمان مقصورًا على ميادين القتال، وإن كان ذلك ذروة الشرف، بل يمتد ليشمل كل ميدانٍ يصان فيه الوعي، وتغرس فيه القيم، ويبنى فيه الإنسان، فالأوطان تحمى بثقافة أبنائها كما تحمى بقوتهم، وتصان بوعيهم كما تصان بحدودها؛ إذ إن الحصن الحقيقي يبدأ من الداخل.

إنَّ لكل إنسانٍ في هذا الوطن موقعًا، ومن هذا الموقع تبدأ الحكاية، فحين يخلص المرء في عمله، ويؤدي دوره بإتقان، مهما بدا بسيطًا، فإنه يسهم في لوحةٍ كبرى تتكامل فيها الجهود، وتتآزر فيها السواعد، لتصنع صورة وطنٍ ينهض بأبنائه جميعًا. وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى، أن عُمان لا تبنى بفردٍ واحد، بل بإرادة شعب كامل.

وحين تمتد الأيدي لتلتقي، وتتوحد الجهود تحت راية واحدة، فإن المسيرة تمضي بثبات، لا تعرف التراجع، فالوطن لا يطلب له الكثير بقدر ما يطلب له الإخلاص في العمل، والصدق في العطاء، والثبات على المبادئ، وبهذا وحده تشيَّد الأوطان، وبه تخلَّد عزائمها.

لنجعل من كل يومٍ لبنة، ومن كل جهدٍ أثرًا، ومن كل فكرةٍ بداية، فهكذا تبنى عُمان: سواعد تُشيِّد، وعزائم تُخلَّد، ومسيرةٌ لا تعرف إلّا المضي نحو المجد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z