نبيل الهادي
لطالما أدركنا أن عملية الانتخاب بكافة توجهاتها على المستوى المحلي، هي بمثابة أمانة على عاتق من أراد تحمل مسؤولية جوهرها لأنها تؤسس لمصير شعب ومجتمع، فنحن لا نقوم باختيار أسماء بعينها بقدر ما نختار عقولا شبابية تصنع خريطة طريق للمستقبل، وهذا ما ألفته وتعرفت عليه الساحات الانتخابية في سلطنة عُمان منذ تأسيس اللبنات الأولى لمجلسي الاستشاري /الشورى/، والبلدي، فالمشهد الذي يريده المواطن هو التأكيد على استثمار كفاءات البلد من الشباب الواعي أمام صناديق الانتخابات، واليوم هم أيضا أمام تطبيق الانتخاب الإلكتروني الذي أعدته الجهات الرسمية من أجل ذلك، ومن أجل السير نحو تعزيز القرار السيادي الذي يرسم ملامح شكل التنمية وقوة الرقابة والعمق في التشريع.
يأتي القرار الوزاري رقم ٤٥/ ٢٠٢٦، الذي أصدره معالي السيد حمود بن فيصل البوسعيدي وزير الداخلية، والقاضي بتحديد فترة تقديم طلبات الترشح لانتخابات أعضاء المجالس البلدية للفترة الرابعة اعتبارًا من يوم الأحد الخامس من أبريل الحالي، ليكمل عمل مسيرة النّهضة المتجدّدة ويؤكد على تجدد الدماء والأفكار التي سوف تسهم بشكل فعّال ومباشر في عملية البناء والتطوير التي يقودها بعزم واقتدار حضرةُ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظهُ اللهُ ورعاه.
إن المُتتبع للمرحلة المقبلة، سيجد أنها سوف تفرض علينا عددًا من الاستحقاقات بما فيها الاجتماعية والاقتصادية "بالغة التعقيد" إن صح التعبير، وهذا يتطلب نضجًا برلمانيًّا ورؤى ثاقبة للتعامل معها، فالناخب لا يمكن أن يكون مجرد متفرج بقدر ما هو فاحص وناقد إيجابي لهذه المرحلة التي أوجدت خططا أكثر واقعية للتعامل معها.
ونشير هنا إلى أن المعيار الواقعي للعضو الناجح في الانتخابات عموما هو السعة في الأفق، لا تلك الأفكار المبنية على العصبية والقبلية، ويتجلى نضج الناخب في القدرة على تجاوز ذلك واختيار "المستحق" الذي يمتلك أدواته في الجانبين القانوني والمعرفي.
والراصد للمشهد العام هذه الفترة سيلحظ النقاشات المستفيضة على المستويين الواقعي والافتراضي سواءً في المجالس أو مواقع التواصل الاجتماعي حول عملية انتخاب أعضاء المجلس البلدي، ومن يتم ترشيحه، وانتخابه، حيث إن بعض أعضاء المجلس الحاليين قاموا بعمل جيد يُشكرون عليه من خلال المتابعة والتواصل المستمر مع المواطنين والوقوف على بعض الأمور ذات الأولويات القصوى بالولايات التي يمثلونها والمتعلقة بالشؤون البلدية ضمن اختصاص المجلس.
وفي هذا المقام أود التطرق إلى موضوع يتمثل في رغبة بعض الأعضاء في الترشح لعضوية المجلس للفترة القادمة إيمانا منهم بما قدموه من إنجازات في مجال العمل البلدي خلال الفترة الماضية وبالطبع يحق لهم ذلك بطبيعة الحال، إلا أن البعض يرى أن إفساح المجال لأشخاص آخرين يخوضون التجربة لعلهم يكونون على قدر المسؤولية التي تجعلهم قادرين على تحقيق طموحاتهم المستقبلية ويسهمون بشكل أفضل في البناء والتنمية.
وبين هذين الأمرين يقف الناخب في حيرة، هل ينتخب شخصًا جديدًا أم يمنح الفرصة مرةً أخرى للعضو الحالي لمواصلة العمل لتمثيل الولاية في الدورة القادمة ظنّا منه أنَّ ما قام به يشفع له أن يكون موجودًا في الفترة القادمة.
نحن نرى وهذا ما تؤكد عليه الأغلبية أن وجود أكثر من مترشح لا يعني بالضرورة التقليل من أحد، بقدر ما هو دليل وعي ونضج وسعي لما هو أفضل للجميع، وأن التغيير كلّ أربع سنوات أمر طبيعي وصحي، تتجدّد فيه الدّماء ويفتح أبوابًا لأفكار جديدة ويدفع عجلة التطوير للأمام. لأن الثبات الطويل قد يضعف الحماس بينما التغيير المدروس يُحيي روح المبادرة دون أن يكون ذلك انتقاصًا من جهود من سبق، بل تقديرًا لهم واستكمالًا لما بدأوه.
ومما يجب التأكيد عليه في هذا السياق أن الشباب هم المحرك الرئيس للمرحلة الراهنة، ومشاركتهم المؤثرة في الانتخابات البلدية المقبلة يعني ضخ دماء ونوعية جديدة، تواكب المرونة الرقمية والطموحات التي لا حدود لها، كما يجب عليهم إدراك أن عزوفهم عن التصويت يعني التخلي عن حقوقهم في صناعة المستقبل. وأن وجودهم في صناعة القرار الانتخابي هو ضمان حضور للقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها سلطنة عُمان.
وما يجب التأكيد عليه أيضا أن العلاقة بين الناخب والمنتخب ينبغي ألا تنتهي بانتهاء عملية الانتخاب، وإنما يجب أن تستمر لإيجاد حالة من التواصل والرقابة المجتمعية الواعية من خلال منصات مفتوحة للحوار تتيح تبادل الآراء والأطروحات وتحقق الطموح لبناء شراكة مجتمعية حقيقية.
وختامًا نشير بلا شك إلى الهدف الذي لا يمكن التقليل من قيمته وهو أن انتخاب أعضاء المجلس البلدي بروح جديدة يصب في مصلحة وخدمة المجتمع والمواطن، كما أن الأعضاء النشطاء في المقابل قد قاموا بأعمال أسهمت في تحقيق الأهداف المرجوة من قيام هذا المجلس، وهم بكل أمانة يستحقون تجديد الثقة لهم كونهم في الأساس قاموا بما كلفوا به لخدمة سلطنة عُمان ومكتسباتها.
