الأثل.. شجرة الملوحة الصامدة بين العلم والموروث الشعبي

 

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب

 

يُعد Tamarix aphylla من أهم أنواع الأثل في البيئات الجافة وشبه الجافة، وهي شجرة معروفة بقدرتها العالية على تحمل الظروف القاسية.

وهي شجرة عاسلة كثيفة الإزهار، متوسطة إلى كبيرة الحجم، قد يصل ارتفاعها إلى أكثر من 20 مترًا، دائمة الخضرة أو شبه دائمة، ذات فروع دقيقة متهدلة تعطيها مظهرًا ريشيًا مميزًا. أوراقها صغيرة جدًا حرشفية الشكل، متلاصقة على الأفرع، لذلك تسمى أهدابًا، وهي متحورة لتقليل فقد الماء. الأزهار صغيرة وردية إلى بيضاء، تظهر في نورات كثيفة، وتتميز بوجود غدد ملحية تفرز الأملاح الزائدة على سطح الأفرع، ويُعد هذا النوع أكبر وأضخم أنواع الأثل والطرفاء، وهي بصفة عامة من الفصيلة الطرفاوية.

وينتشر هذا النبات في شمال أفريقيا والجزيرة العربية وغرب وجنوب آسيا، ويكثر في البيئات الصحراوية والسبخات وعلى مجاري الأودية والمناطق المالحة. في سلطنة عُمان تعيش خمسة أنواع من الطرفاويات، وجميعها متوطنة في ظفار.

أحمد مسلم سوحلي جعبوب.jpeg
 

الاسم العلمي Tamarix aphylla، و(أفيلا) كلمة لاتينية تعني عديمة الأوراق أو بلا أوراق، كأنها بلا أوراق، في إشارة إلى أوراقها الصغيرة جدًا الحرشفية التي تكاد لا تُرى، فتُعطي الانطباع بأنها عديمة الأوراق. وهذا الوصف دقيق جدًا من الناحية النباتية، لأن الأثل من هذا النوع يمتلك أوراقًا دقيقة مختزلة تكيفًا مع البيئات الجافة، وهي شجرة ذات ظلال وارفة تكاد الشمس لا تخترق تاجها لكثافة نموها، وتنتشر بكثافة في صحاري الجزيرة العربية، خاصة في الربع الخالي، الذي يُعد من أهم مواطنها الرئيسة. وفي المملكة العربية السعودية تُزرع الأثل على نطاق واسع في الصحاري، خاصة عند الآبار وحول التجمعات السكنية، نظرًا لقوة تحملها لدرجات الحرارة والملوحة الشديدة.

وتظهر الملوحة على أغصان وأهداب نبات الأثل كظاهرة طبيعية ناتجة عن تكيفه مع البيئات المالحة، إذ يُعد من النباتات المتحملة للملوحة. وتمتص جذوره الماء من التربة حتى وإن كان مالحًا، فتدخل معه الأملاح إلى داخل النبات، وبما أنه لا يحتاج إليها، يقوم بالتخلص منها عبر غدد ملحية دقيقة موجودة على الأوراق والأغصان أثناء النتح. تخرج هذه الأملاح إلى السطح ثم تتبلور، فتظهر على هيئة طبقة بيضاء، أو يُلاحظ طعمها المالح عند لمسها. وتُعد هذه الظاهرة دليلًا على كفاءة النبات وقدرته على التكيف، لا علامة ضعف أو إصابة. وتزداد وضوحًا في المناطق الساحلية والسبخات أو عند ارتفاع ملوحة مياه الري، كما قد تؤدي إلى زيادة ملوحة التربة أسفل النبات نتيجة تساقط هذه الأملاح، عادةً بواسطة الأمطار. وبذلك يعمل الأثل كمصفاة طبيعية تمكّنه من العيش في ظروف تعجز عنها الكثير من النباتات الأخرى.

وتبرز أهمية الأثل بيئيًا وزراعيًا، إذ يُستخدم في تثبيت التربة ومقاومة التصحر، خاصة في الأراضي الرملية والمالحة، كما يُزرع مصدًّا للرياح وحمايةً للمزارع، ويسهم في تحسين البيئة في المناطق القاسية، إضافة إلى الاستفادة من خشبه في الوقود وبعض الاستخدامات الشعبية. ويتميّز خشب الأثل بقوته وصلابته ومقاومته للعوامل البيئية، مما جعله يُستخدم تقليديًا في صناعة السفن، وبناء البيوت والحظائر الحيوانية، وكذلك في العديد من الأعمال الإنشائية البسيطة والأدوات المنزلية.

أما في الطب الشعبي في الجزيرة العربية، فيُعالج "الشمم" التهابات الجروح والتقيحات، خاصة بعد العمليات، وهي حالة يُلاحظ فيها ألم شديد في موضع الجرح مع احمرار وانتفاخ وحكة، وقد يخرج منه صديد، وقد تصاحبها أحيانًا أعراض عامة مثل الغثيان، وغالبًا ما ترتبط بعدم نظافة الجرح أو تعرضه لمؤثرات خارجية. وفي هذا السياق، استُخدمت أهداب الأثل تقليديًا لعلاج هذه الحالات، حيث تُجمع تلك الأهداب الجافة المتساقطة تحت النبات، ثم تُحرق لتبخير موضع الجرح مباشرة، بما في ذلك جروح مرضى السكري، والصداع والحروق، في ممارسة شعبية متوارثة.

كما تُستخدم أوراق الأثل في بعض التطبيقات الأخرى مثل تطهير الجروح وعلاج البواسير واللثة، ويُذكر في الموروث الشعبي أن الأوراق الطرية تُجمع في الصباح الباكر لاستعمالات علاجية تقليدية. ومع ذلك، فإن التبخير المباشر للجروح لا يتوافق مع مبادئ الطب الحديث، لما قد يسببه من تهيّج أو تلوث، لذلك ينبغي التعامل مع هذه الممارسات بحذر وعدم اعتمادها طبيًا دون إشراف مختص.

وبذلك يجمع الأثل بين قيمة بيئية كبيرة واستخدامات تقليدية واسعة، تؤكد حضوره في حياة الإنسان في البيئات القاسية، مع أهمية التمييز بين الموروث الشعبي والممارسات الطبية الآمنة.

والاسم العربي: أثلة، جمعها أثل أو الأثل، وتسمى في بعض مناطق ظفار: أوثل، عرعير. والأثل اسم جنس جمعي يُطلق على هذا النوع من الأشجار دون تمييز بين المفرد والجمع، فيُقال: الأثل للدلالة على الشجرة أو على مجموعها. أما المفرد فيُعبَّر عنه بلفظ «أَثْلَة»، ويأتي جمعه «أَثْل»، وهو الأشهر، ويجوز أيضًا «أُثول» على قلةٍ في الاستعمال.

وقد قمتُ بتشتيلها، ولأول مرة في ظفار، عن طريق العقل، وذلك بوضع الأقلام في إناء نصفه مغمور بالماء، وبعد 15 يومًا تبدأ بالتجذير، ثم أنقلها إلى أصيصات داخلها أسمدة عضوية، وأتركها لمدة سنة مع الري المتوازن حتى تقوى جذورها، بعد ذلك أزرعها في الأرض وأسقيها بماء فيه بعض الملوحة مرتين في الأسبوع، لأن هذا النوع يتكيف مع المناطق المالحة في الأودية والسبخات والتربة والرمال الملحية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z