الرؤية- كريم الدسوقي
في خطوة غير مسبوقة، أعلنت شركة إنتاج سينمائي في الصين عن إدخال "ممثلين رقميين" ضمن أعمالها، في تجربة تفتح الباب أمام تحولات عميقة في صناعة السينما، وتطرح في الوقت ذاته أسئلة شائكة حول مستقبل الفنانين البشر.
الخطوة تمثلت في تقديم "ممثلين رقميين" يتم إنشاؤهم بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي، قادرين على أداء أدوار مختلفة دون الحاجة إلى وجود شخص حقيقي أمام الكاميرا، ويمكنهم تقمص شخصيات متعددة، وتغيير ملامحهم وأصواتهم، بل وحتى التفاعل مع النصوص بشكل متطور يحاكي الأداء البشري إلى حد كبير.
هذه التقنية لا تقتصر على مجرد استخدام المؤثرات البصرية، بل تتجاوز ذلك إلى خلق كيان تمثيلي كامل يمكن توجيهه وتعديله رقميا، ما يمنح شركات الإنتاج مرونة غير مسبوقة في التحكم بكل تفاصيل الأداء، من تعابير الوجه إلى نبرة الصوت.
لكن هذه الخطوة لم تمر دون جدل، فقد أثارت مخاوف واسعة بين العاملين في المجال الفني، الذين يرون في هذه التكنولوجيا تهديدا مباشرا لوظائفهم، خاصة مع إمكانية استبدال الممثلين الحقيقيين ببدائل رقمية أقل تكلفة وأكثر قابلية للتحكم.
كما طرح نقاد تساؤلات حول "روح الفن"، وهل يمكن لأداء اصطناعي أن ينقل المشاعر الإنسانية بنفس العمق والصدق الذي يقدمه ممثل بشري؟ أم أن الأمر سيبقى في إطار محاكاة تقنية تفتقر إلى الإحساس الحقيقي؟
من جهة أخرى، يرى مؤيدو هذه الخطوة أنها تمثل تطورًا طبيعيا في مسار الصناعة، تماما كما حدث مع إدخال المؤثرات الرقمية سابقا، ويشيرون إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للإبداع، مثل إحياء شخصيات تاريخية، أو خلق ممثلين افتراضيين لا يتقيدون بعمر أو شكل أو حتى حدود فيزيائية.
كما يمكن لهذه التقنية أن تقلل من تكاليف الإنتاج، وتختصر الوقت اللازم للتصوير، ما قد يجعل صناعة الأفلام أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، خاصة في المشاريع الضخمة.
ورغم هذه المزايا، يبقى الجانب القانوني والأخلاقي حاضرا بقوة في النقاش، فمن يملك حقوق "الممثل الرقمي"؟ وكيف يتم تنظيم استخدام صور أو أصوات قد تكون مستوحاة من أشخاص حقيقيين؟ وهل يمكن استغلال هذه التقنية دون موافقة أصحاب الحقوق؟
هذه التساؤلات تعكس مرحلة انتقالية تعيشها صناعة السينما، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الإبداع بشكل غير مسبوق، وبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي فرصة لتوسيع حدود الفن، يخشى آخرون من أن يؤدي إلى تآكل العنصر الإنساني الذي شكل جوهر هذا الفن لعقود طويلة.
