حين تُستهدف الحياة.. بين مقتضيات الأمن وضرورة المعرفة

 

عبدالنبي الشعلة **

في أوقات الحروب، لا تُدار المعارك في ميادين القتال وحدها، بل تمتد إلى ميدان لا يقل أهمية، هو ميدان المعلومات؛ حيث تصبح إدارة المعلومة جزءًا لا يتجزأ من إدارة المعركة. ولهذا، درجت الدول التي تتعرض لهجمات عسكرية على انتهاج سياسة التكتم أو التحفظ في الإعلان عن تفاصيل الأضرار التي تلحق بالمواقع المستهدفة. وهي سياسة مفهومة؛ بل ضرورية في سياقها العسكري، إذ إن الإفصاح قد يزوّد الخصم بمعلومات تساعده على تحسين دقة ضرباته في الجولات اللاحقة، فضلًا عن تجنب إثارة القلق أو الهلع في أوساط المجتمع.

هذه القاعدة تكاد تكون عامة، وتلتزم بها معظم دول العالم، بما في ذلك دولنا العربية الخليجية، التي اضطرت في ظل الظروف الراهنة إلى حظر نشر وتداول الصور أو المعلومات المتعلقة بالمواقع التي تتعرض للاستهداف، وإخضاع المخالفين للمساءلة القانونية. غير أن طبيعة التحديات التي تواجهها منطقتنا اليوم تطرح تساؤلًا مشروعًا حول كيفية تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن، وضرورة تعزيز وعي المجتمع بطبيعة المخاطر التي يتعرض لها.

الواقع الراهن يشير بوضوح إلى أن الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الدول العربية الخليجية لم تعد- كما يُروَّج- محصورة في أهداف عسكرية محددة، بل امتد نطاقها، بشكل أوسع، ليشمل مرافق مدنية وبنى تحتية حيوية واقتصادية ومجمعات سكنية وتجارية. أي أنها، في جوهرها، تمسّ حياة الخليجيين اليومية، وأمنهم، واستقرارهم، ومصادر رزقهم. وهو ما يفرض ضرورة رفع مستوى الوعي العام بحقيقة هذه التهديدات، دون الإخلال بالاعتبارات الأمنية.

ومن هنا، فإن الإبقاء على مستوى عالٍ من التكتم والتحفظ، دون موازنته بقدر مدروس من الشفافية، قد يؤدي- دون قصد- إلى خلق فجوة في الوعي العام، تفسح المجال لإشاعات وروايات مغلوطة أو مضللة، وربما لتعاطف غير مبرر مع الجهة المعتدية، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وارتباطه- بسبب اشتراك إسرائيل في الحرب- بالقضية الفلسطينية، التي تحظى بإجماع وجداني عميق لدى الشعوب الخليجية والعربية.

ولا خلاف على عدالة هذه القضية، ولا على عمق التزام دول الخليج العربية بدعمها عبر عقود طويلة. غير أن هذا الالتزام لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لتبرير الاعتداء على هذه الدول أو التغاضي عنه؛ فالقضايا العادلة لا تُخدَم بازدواجية المعايير أو عبر استهداف المدنيين، ولا عبر ضرب الاستقرار في مجتمعات آمنة.

لقد برز في الآونة الأخيرة ميل لدى بعض الأصوات، في الفضاء العربي العام، إلى التشفي أو التقليل من خطورة هذه الهجمات أو تفسيرها في إطار صراع أوسع، مُتجاهلةً أن نتائجها المباشرة تطال مواطنين ومقيمين أبرياء لا علاقة لهم بأي حسابات سياسية أو عسكرية؛ بل إن ما يدعو إلى القلق هو وقوع البعض في اِلتباسٍ غير مُبرَّر نتيجة الربط بين الانتماء المذهبي وبعض المواقف السياسية، في حين أن الواقع يثبت أن الصواريخ والطائرات المسيّرة لا تميز بين سني وشيعي، ولا بين مؤيد ومعارض، بل تصيب حيث تصيب وتحصد الأرواح والممتلكات حيث تقع.

والأخطر من ذلك أن استهداف النظام الإيراني لمرافق البنية التحتية الخليجية- من محطات الكهرباء والمياه إلى المصافي والمطارات والمنشآت الاقتصادية- لا يعني فقط أضرارًا آنية، بل يمتد أثره إلى تعطيل حياة الخليجيين وتهديد أمنهم المعيشي، وربما إدخال مجتمعات بأكملها في أزمات إنسانية واقتصادية معقدة. كما أن التهديد بإغلاق الممرات الحيوية، كمضيق هرمز، يؤدي إلى خنق شعوب المنطقة، ويحمل مخاطر تتجاوز حدود الدول، لتطال استقرار المنطقة والعالم.

وفي هذا السياق، يبرز تناقض لافت؛ إذ كلما لوّحت الولايات المتحدة أو إسرائيل باستهداف منشآت داخل إيران، جاء الرد الإيراني بالتهديد باستهداف منشآت مماثلة في دول الخليج العربية، رغم إدراك الجميع أن هذه الدول ليست طرفًا مباشرًا في تلك التهديدات. وهو منطق يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأهداف وحدود الالتزام بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

وفي خضم هذا كله، تبقى القصة الإنسانية هي الأكثر تأثيرًا والأبلغ دلالة. ففي البحرين، لا تزال الذاكرة تحتفظ بألم فقدان الشابة سارة دشتي، التي خرجت، كغيرها من الشباب، في ليلة رمضانية عادية، لتتناول وجبة السحور بعد إحياء مناسبة دينية. لم تكن في موقع عسكري، ولا في منشأة حساسة، بل في مطعم يقع ضمن مبنى مدني في منطقة حيوية بعيدة عن أي أهداف عسكرية.

لكن تلك الليلة تحولت، في لحظة، إلى مأساة؛ إذ أدى استهداف المبنى بطائرة إيرانية مسيّرة إلى تساقط الزجاج والحطام، ليسقط معها حلم شابة في مقتبل العمر، وتُصاب أخريات، ويُصاب المجتمع كله بجُرحٍ لن يندمل بسهولة. سارة لم تكن رقمًا في بيان، ولا "أضرارًا جانبية" في تقرير؛ بل كانت إنسانة لها حياة وأحلام ومستقبل.

وهكذا، عندما تصبح حياة الشعوب الخليجية ومقدراتهم وأرزاقهم مستهدفة، لا يعود النقاش حول المعلومات مجرد مسألة أمنية، بل يصبح مسألة وعي وكرامة إنسانية؛ فالمجتمع الذي يعرف ما يُستهدف فيه، هو المجتمع الأقدر على التماسك، والأكثر قدرة على الصمود. أما التكتم، حين يُساء فهمه، فقد لا يحمي بقدر ما يترك المجال لغيره أن يروي القصة.

من هنا.. فإن المطلوب اليوم ليس التخلي عن مقتضيات الأمن العسكري، ولا كشف ما يجب أن يبقى سريًا؛ بل تحقيق توازن دقيق بين حماية الأمن القومي وتعزيز الوعي العام. إن هذا التوازن يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهة مختلف التحديات.

إنَّ المعركة، في جانب مهم منها، هي معركة وعي. ونجاحنا فيها يتطلب وضوحًا، وصدقًا، وقدرة على مخاطبة الناس بلغة تحترم عقولهم، وتحصّنهم ضد التضليل، وتعزز وحدتهم في مواجهة الأخطار؛ لأن معرفة الحقيقة كاملة، في أوقات الحروب، ليست ترفًا، بل ضرورة استراتيجية ملحة.

** كاتب بحريني

الأكثر قراءة

z