عائض الأحمد
لم أعد أُحصي أيامي، بل أعدّ ما تبقّى فيّ من فِكّة. في كل مساء، أُرجّ نفسي كمن يتحقق من بقاء صوته، لا لأن له قيمة تُذكر، بل لأن الفراغ لا يُسمَع، ولأن السقوط الصامت أشدُّ وطأة من كل الضجيج.
لم يعد اسمي يعني الكثير، ولا من أكون، ولا ماذا أريد. كل ما يهم أن أُغلق ذلك الممر جيدًا، أن أحكم إقفال ما ادّخرته الحياة فيّ، حتى لا يتسرّب على هيئة تعبٍ مجاني. لستُ رجلًا كما يبدو، بل وظيفةٌ صامتة، مغلّفة بهشاشةٍ لا تُرى، لكنها تُستنزف مع كل طلب.
لم يعد المال هو القضية، بل مذلّة الامتهان؛ أن تُرى بقدر ما تعطي، وأنك كلما وهبت، نَقَصت. أن يصبح حضورك طلبًا، ومغادرتك سؤالًا: أين ما كنتَ تعطي؟ أن يُفسَّر صمتك اعتراضًا، وحديثك صراخًا، وكأنك محكومٌ بدائرةٍ لا تُرضي أحدًا، ولا تُبقي منك شيئًا.
هكذا تمضي: تهب، تُملأ، تُفرغ، ثم تُغلق. دون منّة، ودون غضب. لكن خلف هذا الإيقاع المرهق، يتسع فراغٌ أكبر منك، ويتراجع حلمٌ لم يعد يُسمَع، كأنه لم يكن.
نذرتُ نفسي لمن حولي، ونسيتُها. لم تؤنسني يومًا، ولم تتقبّل ما فعلتُ بها، وكأنها تعاقبني بسؤالٍ يتكرّر في داخلي: أين كنتَ وأنت تفعل كل هذا؟ سؤالٌ بسيط، لكنه كفيلٌ بأن يُربك كل الإجابات.
أصبح كل شيء داخلي صامتًا، كغرفةٍ مغلقة لا تنبض إلا بما تتذكّره الجدران. ضحكات لا تخصّني، تتردّد بين صدى عابر وهمهمة أنين، وكلمات تثقل صدري، لا تجد طريقها إلى البوح.
نسيتُني وسط الزحام، وتركتُني هناك طويلًا.
وحين عدت، لم أجدني كما كنت، بل كما تبقّى مني. وهذا الفرق وحده كافٍ ليفهم المرء كيف يمكن للإنسان أن يضيع… دون أن يبتعد.
ربما لو توقف الجميع عن العدّ، لو نسوا تلك “الفِكّة” التي نقيس بها العطاء، ستظهر الحقيقة البسيطة: أننا لم نكن يومًا مجرد أوعية، وأن الصمت أحيانًا، ليس عجزًا… بل امتلاءٌ لا يُقال.
لها: لم تكن تطلب الكثير، كانت تريد فقط أن تُرى كما هي. لكنها تعلّمت متأخرة أن العطاء حين لا يُقابَل، لا يبقى فضيلة، بل يتحوّل تدريجيًا إلى خصمٍ من الروح.
شيءٌ من ذاته: لم يكن بخيلًا مع الحياة، بل كان سخيًا أكثر مما يحتمل. ظنّ أن العطاء يُنقذ، فاكتشف متأخرًا أن بعضه ليس إلا طريقة أخرى للفراغ.
نقد: لسنا أشياء تُقاس بما تُعطي، ولا حصّالات تُكسر عند الحاجة. الامتهان لا يبدأ من قسوة الآخرين، بل من تلك اللحظة الخفية التي ننسى فيها أن لنا حقّ أن نُرى أيضًا. لسنا طيبين دائمًا كما نظن، أحيانًا نحن فقط خائفون من أن نُرفَض… إن توقفنا عن العطاء.
