محمد بن سلطان الساعدي
بعد أربعين عامًا من الغياب، يعود العراق إلى كأس العالم… يعود لا كفريق كرة قدم فحسب، بل كحكاية وطن، وكصرخة صبرٍ طويلة، وكأغنيةٍ مؤجلةٍ في حناجر شعبٍ لم ينسَ يومًا كيف يفرح رغم كل شيء. إنها عودة ليست عادية، بل ولادة جديدة لذكرى كادت أن تُنسى، وانتصارٌ يُكتب بمداد الألم قبل الفرح. لم يكن طريق العراق إلى هذا الموعد العالمي مفروشًا بالعشب الأخضر، بل كان طريقًا شائكًا، مليئًا بالدموع والانكسارات، ومحفوفًا بسنواتٍ من الانتظار الذي طال حتى صار وجعًا موروثًا، أربعون عامًا مرّت كأنها قرنٌ من الحكايات، تبدلت فيها الأجيال، لكن الحلم ظل ثابتًا، لا يتغير، يسكن القلوب كما يسكن الوطن في الروح.
منذ صافرة البداية في التصفيات، لم يكن المنتخب العراقي مرشحًا سهلاً في حسابات الآخرين، كانوا ينظرون إليه كفريقٍ يُقاتل نعم، لكنه لا يصل، كفريقٍ يملك الروح، لكن تنقصه الظروف، غير أن ما لم يدركه كثيرون أن العراق لا يُقاس بالأرقام، بل يُقاس بما يحمله لاعبوه في صدورهم من تاريخٍ ووجعٍ وإصرار، ففي كل مباراة كان اللاعب العراقي يدخل الملعب وكأنه يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه، لم تكن مجرد تسعين دقيقة، بل كانت معركة إثبات، ومحاولة للرد على سنوات التهميش، وعلى كل من ظن أن العراق قد نسي طريق المجد، كانوا يلعبون وكأنهم يقولون نحن هنا… رغم كل شيء.
عانى المنتخب كثيرًا من تنقلاتٍ مرهقة، ومن ظروفٍ لم تكن عادلة، ومن جماهير تشتاق أن تهتف في المدرجات لكنها كانت بعيدة، ومن ضغوطٍ نفسية تفوق ما يتحمله أي فريق، ومع ذلك لم ينكسر، كان يسقط أحيانًا لكنه لا يبقى على الأرض طويلًا، ينهض سريعًا وكأن السقوط لم يكن إلا استراحة محارب، ولعل أصعب ما واجهه في رحلته لم يكن الخصوم، بل تلك الظروف التي رافقته، أن تلعب خارج أرضك لسنوات، أن تحرم من دفء جمهورك، أن تقاتل وأنت تعرف أن كل شيء ضدك… تلك ليست كرة قدم، بل اختبار بقاء، ومع ذلك صمد العراق وصبر وانتظر لحظته.
وجاءت اللحظة التي طال انتظارها، في مباراةٍ لم تكن كغيرها، مباراةٍ كانت تختصر أربعين عامًا من الشوق، لم يكن هناك مجال للخطأ، كانت القلوب تخفق في كل بيت، في كل شارع، في كل زاوية، لم يكن العراقيون يشاهدون مباراة بل كانوا يعيشونها نبضًا بنبض، وعندما جاء الهدف لم يكن مجرد هدف، بل كان انفجارًا من الفرح المكبوت، صرخةً خرجت من أعماق السنين، لحظةٌ اختلط فيها البكاء بالضحك، والذهول باليقين، وكأن الزمن توقف ليمنح العراق حقه المؤجل.
انتهت المباراة، لكن الحكاية بدأت، خرج الناس إلى الشوارع لا كجماهير، بل كأرواحٍ تحررت من ثقل الانتظار، عانق الغريب الغريب، وبكى من ظن أنه نسي البكاء، وارتفعت الأصوات في كل مكان: هلا بيك هلا… وبجيتك هلا، كأن الوطن نفسه عاد، لا المنتخب فقط، كأن الفرح وجد طريقه أخيرًا بعد أن ضلّه طويلًا.
هذه العودة لم تكن صدفة، ولم تكن ضربة حظ، بل كانت نتيجة إيمانٍ طويل، وعملٍ صامت، وروحٍ لا تعرف الاستسلام، إنها رسالة لكل من ظن أن العراق قد تعب، أن العراق قد يتأخر نعم، لكنه لا يغيب، وأن الحلم إذا سكن القلوب الصادقة، لا بد أن يجد طريقه إلى النور مهما طال الزمن.
واليوم، والعراق يستعد للظهور في كأس العالم، لا يحمل فقط طموح المنافسة، بل يحمل قصة شعبٍ بأكمله، قصة صبرٍ وألمٍ وأمل، قصة تُروى للأجيال القادمة لتقول لهم إن الأحلام قد تتأخر… لكنها لا تموت، وإن العراق، مهما اشتدت عليه العواصف، يعرف دائمًا كيف يعود… وكيف يكتب الفرح من جديد.
