عُمان بيت الأمان

 حمد الناصري

شهدت الجزيرة العربية أزمات متتالية، صراع تلو صراع، وانهيارات اقتصادية وتنافسات دولية وتدخلات خارجية في منطقة الخليج العربي، مما يُهدد أمن واستقرار المنطقة،،وجرت نتاج ذلك  تغيرات  في علاقاتنا ببعض من حالة الصمت والالتزام إلى حالة التذمر والتراشق السياسي والاتهامات، وخرجت إيران من حالة الجوار إلى حالة تجاوز حُرمة الجار، وألغت أدب الجيرة المعهودة، وتبنّت مقولة " عليّ وعلى أعدائي" لضمان بقائها قوة إقليمية، ففي مارس 2026 تبنت طهران استراتيجية المواجهة المباشرة ليس مع العدو فحسب بل وحتى مع جيرانها الأقربين  ، وبات نُكران الجميل جحوداً ، وهذا سُلوك ليس من شيم الكرام بل هو من أسوأ صِفات الوفاء.؛

وقد أدى هذا السُلوك إلى توترات أمنية خطيرة، وإلى تداعيات جرّت المنطقة إلى نزاعات إقليمية وإلى عدم استقرار.. وشهدت المنطقة البحرية (الخليج العربي) في مارس 2026 هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت بنية تحتية نفطية، وخزانات الوقود في ميناء صلالة، كما تمّ استهداف ميناء الدقم، رغم نفي إيران رسمياً، لكن أضرارها المادية، قد تؤدي إلى توسيع نطاق الإعتداءات إلى إنتهاك غير مقبول. وذلك النفي الرسمي جاء مُوارباً للسلطنة، ولم يكن صريحًا بل اتّسم بالالتواء والغموض والإشارة إلى تملّص في الخطاب وتجنّب المسؤولية، نفياً يحتمل الإثبات، نظراً لما يحتوي من أيدلوجية تقوم على تبرير قيمي ونفي سياسي، موقف لم يستخدم المباشرة وإنما استخدم اسلوب إخفاء الحقيقة.

وفي سابق تصريح أكد الرئيس الايراني بزشكيان مسعود للسلطان هيثم أعزه الله بأنه سوف يفتح تحقيق في هجوم طائرات مسيّرة على خزانات الوقود بصلالة وفي مدينة الدقم.. وكانت التصريحات التي أدلى بها مسؤولون في وقت مضى تصريحات مُتضاربة مُتذبذبة ليس بها أي مصداقية لوقف الحرب في المنطقة.. بل تحوّلت أخيراً إلى سيناريو كاذب.! حيث أنّ المتحدث بإسم مقر "خاتم الأنبياء" للعمليات الحربية الإيرانية العقيد إبراهيم ذو الفقاري يؤكّد أن الحادثة التي وقعت في ميناء صلالة العُماني "مشكوك فيها"، قائلا إنّ "سيادة وأمن سلطنة عُمان محلّ احترام كامل لدى القوات المسلحة الإيرانية" هذا التصريح الإيراني، يُعتبر الثالث، يُنفي الهجمات نفياً غير قاطع، ثم الإشارة إلى التشكيك في الكيان الإسرائيلي، وغيرهم في المنطقة، مُتهماً إياهم بزعزعة الاستقرار في المنطقة.

والحقيقة أنّ إيران استعرضت القوة على دول المنطقة في مُضيق هرمز وأثارتْ أزمة خطيرة لا سابقة لها، وتوتراً حاداً وتصعيداً وعسكرةً في منطقة الجوار الإقليمي وتهديداً للملاحة الدولية، وأنّ تزايد المخاطر على أمن الطاقة، قد يُؤدي إلى انهيار الاستقرار الإقليمي. ممّا قد يؤدي إلى (عُزلة) إيران.

ورغم ذلك فإنّ سلطنة عُمان التزمت كعهدها بـ إيقاف هذه الحرب التي ليست حربًا خليجية بل هيَ تحول في استراتيجية المنطقة ككل.. لماذا.؟ لأنّ إيران ألحقت الضرر بجيرانها الأوفياء الذين وقفوا بصلابة إلى جانبها، فهل لإيران الحق بعد وقفة عُمان معها، أن تلحق الضرر بها.؛

  وفي الحقيقة تدور أسئلة كثيرة وتزداد حيرتها لمعرفة الحقيقة. ولسنا هنا بصدد طرح الأسئلة ولكنّا دأبنا إلى تحليل الحقائق واستخلاص الدروس المُستفادة منها والتركيز على إيجاد حلول، بدل شرح مواقف كما جاءت في كثير من تصريحات مُتضاربة تكاد تكون جدلية، والسؤال الأهم هل تناستْ إيران الموقف العُماني التاريخي الشامخ منذ أزمانٍ.؟! أم لم تنسى إيران جميل عُمان، ولذلك هنا لابد أن نستذكر معاً، تقارب الجوار الجغرافي.. حدوده وقيمه وأخلاقه..، فروابط الجُغرافيا، والحقوق والجوار والتعايش.

فسلطنة عُمان تُمثّل لإيران جارًا جيوسياسي، وتربطها بها علاقة بحرية ومصالح حيوية، جوار مَبني على قاعدة ثقافية مُشتركة، وتاريخ بحري طويل. وإذا أعدنا السؤال بطريقة مختلفة، لماذا ركّزت إيران على موارد الطاقة في المنطقة وفردت عضلاتها أم أنّ وضعها في مواجهة مع العدو الإسرائيلي يجعلها تصبّ جام غضبها على دول الخليج العربي وتُصر على تسميتهم بدول الخليج الفارسي.؟ وهذا دليل واضح على رعونة وغطرسة في سُلوكها الجديد بما لم يدعو للشكّ، ناهيكّ أنّ عُمان لم ترفع يدها عن الوساطة التي من شأنها تخفيف الحصار الإقتصادي عن إيران والتخفيف من العقوبات الدولية بشأن برنامجها النووي.

 ولم تزل سلطنة عُمان ساعية لإيجاد مخرج دبلوماسي يُساعد إيران لتقريب وجهات النظر بينها وبين امريكا وإحياء الاتفاق النووي 2015 ووقف تخصيب اليورانيوم بنسب عالية مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية والافراج عن الأموال المجمّدة وتبادل السجناء.. أليس ذلك بكافٍ أن يجعل من عُمان صديق وفيّ وصريح وموثوق به.؟ بل ولا تزال تسعى عبر وساطات دبلوماسية مكثفة لوقف تصعيد الحرب في المنطقة.

   كلّ تلكم الجهود التي تقوم بها سلطنة عُمان يُساعد إيران لتخفيف التوتر بينها وبين "أمريكا" وخلق تفاهمات غير مُعلنة. وكانت نتيجة اتفاقية 5+1 هو دور السلطنة المحوري والرئيسي في الاتفاق فقد لعبت عُمان دوراً نزيهاً وشريفًا من أجل التخفيف عن إيران، بل أنها تعدّت ذلك بكثير، فقد مهّدت السلطنة الطريق إلى محادثات سرية ومباشرة بين إيران وأمريكا.. والسؤال مرة ثالثة، يُلقي بظلاله على المنطقة.. مِمّن نخشى اليوم من القريب أم من البعيد.؟

  في إحدى المحطات الإعلامية انبرى محلل دبلوماسي بإحدى القنوات الإعلامية، في تحاور عن الحرب في منطقة الخليج العربي.؟ فوجّه مدير جلسة الحوار عن بُعد للمتحدث الإيراني بقوله: لماذا تُحارب إيران دول المنطقة، بينما التي تُحاربها هي أمريكا وإسرائيل.؟ فقال بإستعلاء كبير.. إيران أكبر من أنْ تُحارب دُويلات الخليج.؟ بينما يقول محاور إيراني آخر قال: من حقّنا طالما ظننا أنهم مصدر الازعاج والتهديد لأمتنا الفارسية، مستذكراً تاريخه ونسيجه وأصوله.

 ولا شك، نحن العرب نعترف بأنكم أمة أعجمية عريقة ومن أصول" آريّة" مُزجت بشعوب ـ هندو إيرانية ـ قديمة.. شُعوب لها جذور تاريخية تعود إلى قبائل رعوية، قبائل آرية التي استوطنت مناطق بين الهند وإيران، وسُهوب شمال البحر الأسود، بونتيك وكاسبيان، في العصور البرونزية.  إذ أنّ النشأة الفارسية الأولى " روسيا وأكرانيا الحاليتين". وذلك هو تاريخكم الفارسي، تاريخ له قوته في الماضي انبثقت منه امبراطورية عظمى ـ إخمينية وساسانية ـ تاريخ تميّز بثقافة أعجمية تشكّلت من شعوب عبر عصور قديمة.

 

 

أما الحضارة العربية فقد تميّزت بأنها حضارة بدوية خالصة، فأرض العروبة هي أرض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أرض حضارة ساهمت في تكوين جار أعجمي مسلم ليكون امتدادًا إسلاميًا عظيمًا وجُغرافيًا، بفضل موقع الجزيرة العربية المُتميّز وبفضل إرثها الثقافي والروحي الذي يُمَثّل العُمق التاريخي للقيم الأصيلة والآثار التاريخية. وحينما كسرى أبرويز" ملك الفرس" مزّق رسالة النبي الأشرف استخفافاً دفع ذلك بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للدعاء عليه بأن يُمزّق الله مُلكه لاستكباره.

وتجدر بنا الإشارة هنا ـ ولنعرّج قليلاً إلى عهد الإمام المؤسس للدولة البوسعيدية العظيمة، فلم يفتعل الإمام أحمد بن سعيد يومئذ تبريراً مواربًا بل قام مباشرة بطرد الفرس من شمال عُمان" صحار وما جاورها من ساحل عُمان المعروف آنذاك.

وبما أنّ الأيام دُول والأزمان تتقلب فنحمد الله بأننا بقينا على الثبات والرخاء والشموخ حتى في الشدة، وأننا مُدركون بأنّ تلك التقلبات قانون كوني لتعليم الإنسان بحقيقة حاجته إلى الطمأنينة والأمان كحاجتكم اليوم، للثبات في وجه أمريكا وإسرائيل، وكحاجتكم إلى المُؤتلف العربي لتشكلوا معاً قوة ونصرًا ورخاء فنتداول سعادتها وفرحها بيننا.

إن سلطنة عُمان رفضت تصعيد هذا التصريح من قِبَل إيران كدولة جارة، فالجار الكبير لا يعتدي على جيرانه الأقرب إليه جغرافياً، بل أنه مسؤول عن حماية جيرانه وكفّ الأذى عنهم لا أن يُؤذيهم في لحظة هو أحوج إليهم من حاجتهم إليه لمواجهة المُعتدي.

فما بالك بالجار الموثوق به والذي يبذل كل مُمكن لتبقى جاراً سليماً.. والحقيقة يجب أن تُقال ، منذ خمسين سنة ثقيلة على قلب الأمة المسلمة ، كانت لديكم إمكانيات القوة البشرية والعتاد العسكري ولم نر ما يسعدنا فرحاً وسروراً ، بتوجيه قوتكم ضد الكيان الغاصب ، وسمعنا كثيراً والاصوات لا تكفّ ، عن مفردات أشهرتموها كـ نار على علَم، ضدّ الشيطان الأكبر والإمبريالية الغربية والاستكبار الأمريكي ، ولكنكم لم تُدافعوا عن فلسطين وعن القدس الشريف ، وكأنّ فيلق القدس  في سُبات عميق لم يستيقظ إلا على أثر هجوم أمريكا وإسرائيل عليكم ، ويختلف المنطق حاليًا عمّا قبل ، فقد صدحت الأصوات علناً وجئتم بالقوة والسرّ العظيم الكامن فيكم ولم تُفوتوا لا شاردة ولا واردة ولم تغفلوا عن صغيرةٍ ولا عن كبيرة إلا راقبتموها وعدّدتموها وأحصيتموها ، ثمّ خادعنا من خدعنا بذريعة التدخل في شؤونه حيث فُتحت الأعين تماماً ، وأيقنتم أنها تنطلق من قواعد أمريكية لتكون مبرر لكم لضرب دول المنطقة، أسواقًا تارة ومخازن طاقة وموانئ بحرية وكل ما يهم الاستهلاك الآدمي.

 أليس في ذلك هوس وحِقد، ظهر معدنه في الوقت العصيب، بل كأنه ظل يتحيّن فرصتها ليستهدف الأماكن الحسّاسة في دولنا الخليجية، فأي جوار تتشدّقون به، وأي جوارٍ هو مُثار هدفكم، أو كما يقول المثل العُماني " الرهوة على المربوطة" هذا المَثل، يعني أنه حين يتسلّط الأقوى ويصبّ لومه وغضبه على الأضعف ، لأنّ من هو أقوى منه ألْحَق به الضرر.

 لقد حافظت السلطنة بكل هدوء على تأكيد أحقيتها في التعرّف على الحقيقة، منطلقاً من قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} وقد أدانت السلطنة أي استهداف في منطقة الخليج العربي. وارتأت أنّ من واجبها الانساني وحق الجوار أن تتبيّن الحقيقة، وفي نفس الوقت دأبت بمساعيها الإنسانية وما يُحتّم عليها حق الجوار أن تقوم بإطفاء اللهب، ليس ضعفاُ منها، بل قوة رأي وحِكْمة وصواب عقل، وشرعت بالاستمرارية في مساعيها الحسنة والتأكيد على بناء الثقة في المفاوضات سالفة الذّكْر، وقد كانت قاب قوسين أو أدنى من إطفاء الفِتنة.. فما كان من أهل الفِتنة والغُرباء إلا أن أشعلوا الفتنة دون سابقة إنذار.؛

 

   قال المحلل السياسي العُماني. علي بن مسعود المعشني الذي ركّز في تحليلاته السياسية، على أحداث دقيقة، بدءًا من طوفان الاقصى إلى حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران، وكأنه يتحدث عنها تواً.. قال في اختصار " القوة الحقيقية أن تحمي استقرارك دون أن تحتاج إلى صراع.. عُمان ليست دولة ضعيفة كما يتخيلها بعض ضعاف النقوس.. عُمان دولة تعرف كيف تُدير نفسها بعقل وحكمة، ولا تدخل في صراعات عبثية وليس من سياستها ولا شِيمها عبر تاريخها العريق التآمر على الغير، فالقوة الحقيقية أنك تعرف متى تبتعد عن المشاكل." كما يقول علي المعشني ـ

 

خُلاصة القول فيما أورده جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه في إحدى خطاباته عن المياه البحرية العُمانية، مُشيرًا إلى المضيق " نحن نرى بأن جميع الدول التي تستفيد من الملاحة في هذا المضيق سواء أكانت من الدول المُنتجة أو المستهلكة للنفط تقع عليها مسؤولية المساهمة في حماية هذا الممر المائي.". ويعني بقوله ذاك أنْ يبقى المضيق مفتوحًا للملاحة، بعيدًا عن التوترات والصراعات.

 والحقيقة، أنّ سلطنة عُمان ستظل مفخرة تاريخية، بلد السلام، لُغتها التعايش، لا الاستسلام.. وسنبقى دُعاة سلام بأخلاقنا، لا تنحاز لطرف على حسا ب طرف آخر.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z