عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
في أزمنة الأزمات الكبرى، تتقدّم القلوب قبل العقول، وما يجري في غزة اليوم يوقظ في وجدان العُمانيين، كما في غيرهم، أسمى معاني التكافل والنجدة، إذ تتدفق التبرعات بسخاء، وتنتشر الحملات عبر المنصات الرقمية بسرعة لافتة، تقودها مؤسسات وجمعيات بعضها محلي معروف، وبعضها الآخر غير عُماني ينشط داخل السلطنة لجمع التبرعات تحت عناوين إنسانية نبيلة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيدًا عن حسن النوايا: هل تصل هذه الأموال فعلًا إلى مستحقيها؟ وبأي قدر من الشفافية والمساءلة؟
ليست المشكلة في مبدأ العمل الخيري، بل في حوكمته، فالعاطفة وحدها، مهما كانت صادقة، لا تكفي لضمان سلامة المسار، وفي عالم العمل الإنساني المعاصر، لم يعد يكفي أن تعرض مؤسسة صورًا لمساعدات أو مقاطع توزيع غذاء؛ بل أصبح مطلوبًا منها أن تلتزم بمعايير مهنية دولية تُثبت بالأرقام والوثائق أن كل ريالٍ تم جمعه قد وُجِّه إلى غايته المعلنة.

وهنا تبرز أهمية أطر مثل The Core Humanitarian Standard on Quality and Accountability (CHS) – المعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة، وكذلك The International Aid Transparency Initiative (IATI) – مبادرة الشفافية الدولية للمساعدات، لنشر بيانات التمويل والمشاريع بشكل مفتوح وقابل للتحقق، بحيث لا تبقى الأرقام حبيسة الشعارات.
وفي السلطنة، حيث تسود ثقافة الثقة المجتمعية، قد يظن البعض أن مجرد وجود مؤسسة تحمل اسمًا إنسانيًا أو تحظى بتزكيات رمزية كافٍ للاطمئنان. لكن التجارب العالمية تُعلّمنا أن الثقة لا تُمنح، بل تُبنى وتُوثَّق. فالمؤسسة المهنية تنشر تقارير مالية سنوية مفصلة، وتخضع حساباتها لتدقيق خارجي مستقل، وتفصل بوضوح بين أموال الحملات المختلفة، وتوضح نسب المصروفات الإدارية، وتكشف شركاء التنفيذ على الأرض. أما الاكتفاء بعبارات عامة مثل "بدعم أهل الخير" أو "تم توزيع مساعدات" دون أرقام دقيقة، فهو في أفضل الأحوال نقص في الإفصاح، وفي أسوئها بابٌ للشكوك.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الجمعيات العُمانية المحلية المرخّصة التي تنشط في جمع التبرعات لغزة، والتي تعمل ضمن أطر قانونية وإشراف رسمي يوفّر حدًا أعلى من الطمأنينة للمتبرع، مثل مؤسسة فلسطين الوقفية التي تُعد نموذجًا للعمل الخيري المنظم المرتبط بقنوات رسمية وآليات رقابية واضحة، ما يعزز الثقة في وصول التبرعات إلى مستحقيها. فهذه الجمعيات تمثل المسار الأكثر أمانًا وموثوقية في توجيه العطاء، خصوصًا في القضايا الحساسة التي تتطلب دقة في التحويل والتنفيذ.
ومع تصاعد الحديث عالميًا عن إعادة إعمار غزة، تتسع دائرة التبرعات، لكن معها تتسع كذلك مساحة المخاطر، فحجم الأموال المتوقع تدفقها، واتساع رقعة التعاطف الشعبي، قد يُغريان بعض الجهات المشبوهة أو غير المنضبطة بالدخول إلى هذا المجال تحت غطاء إنساني زائف، وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تتحول النية الصادقة إلى فرصة للاستغلال، وأن يُسرق حق المحتاجين باسمهم.
إن وجود مؤسسات غير عُمانية تجمع التبرعات داخل السلطنة يفرض مسؤولية مزدوجة: مسؤولية الجهات الرقابية، ومسؤولية المتبرع نفسه. فالأولى مطالبة بتشديد الضوابط، والتأكد من أن أي جهة تعمل داخل البلاد تمتلك ترخيصًا واضحًا، وتلتزم بالمعايير الدولية في الشفافية، وتخضع لرقابة فعلية على مسارات الأموال. والثانية -أي المتبرع- مدعو إلى التحري والسؤال: هل هناك حسابات منشورة؟ هل يوجد تدقيق خارجي؟ هل هناك تقارير مفصلة عن غزة تحديدًا؟ هذه الأسئلة ليست تشكيكًا، بل واجب أخلاقي.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح على أنه تقليل من حجم المأساة الإنسانية في غزة، بل على العكس، هو تأكيد على أن حجم الكارثة يستوجب أعلى درجات الانضباط والشفافية. إن الطفل الجائع في غزة لا تعنيه الشعارات، ولا الصور، ولا عدد المتابعين على وسائل التواصل، ما يعنيه هو أن تصله وجبته، وأن يجد سقفًا يحميه، ودواءً يخفف ألمه. وبين يد المتبرع في مسقط، ويد الطفل في غزة، سلسلة طويلة من الإجراءات والتحويلات والوسطاء. كل حلقة في هذه السلسلة تحتاج إلى شفافية تضمن عدم تسرّب المال أو سوء استخدامه.
من هنا، فإن الدعوة ليست إلى التوقف عن التبرع، بل إلى ترشيده وتأطيره. دعم الجمعيات المرخصة محليًا، أو تلك التي تنشر حساباتها بوضوح، هو الخيار الأكثر أمانًا. كما أن المطالبة العلنية، بهدوء ومسؤولية، من أي مؤسسة تعمل في هذا المجال بنشر تقاريرها المالية، ليست تشكيكًا، بل تعزيزًا لثقة المجتمع بها.
لقد أثبتت عُمان، رسميًا وشعبيًا، أنها تقف مع القضايا الإنسانية بعدل واتزان، وأنها تدرك أن العمل الخيري ليس مجرد عاطفة، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تُعامل كل الجهات، محلية كانت أو أجنبية، بميزان واحد من الشفافية والمساءلة.
الخلاصة أن الطريق إلى غزة لا يُقاس بعدد الحملات، بل بوضوح المسار. فإذا أردنا أن نطمئن أن ما نقدمه يصل إلى طفلٍ ينتظر لقمة أو دواء، فعلينا أن نطالب بأن تكون صناديق التبرع مفتوحة للحساب قبل أن تكون مفتوحة للعطاء. فالعطاء النبيل يستحق إدارةً نبيلة، والنية الصادقة لا تكتمل إلا بشفافيةٍ تحميها من أن تُستغل أو تُساء إليها.
