عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
في أبريل ١٩٨٠، أطلقت الولايات المتحدة عملية “مخلب النسر” لإنقاذ رهائنها في طهران، في واحدة من أكثر العمليات الخاصة طموحًا في تاريخها العسكري. بدت الخطة محكمة على الورق: طائرات نقل عسكرية من طراز C-130 تهبط في نقطة التقاء سرية في صحراء طبس، بينما تنطلق مروحيات RH-53 من حاملة في بحر العرب لتلتحق بها، ثم تُستكمل العملية برًا نحو العاصمة. كان التصور يعتمد على الدقة والتنسيق العاليين، لكن ما حدث على الأرض كشف الفجوة العميقة بين التخطيط النظري وتعقيدات الواقع.

في قلب الصحراء، اصطدمت القوة بعوامل لم تُحسب بدقة كافية. عواصف رملية كثيفة أربكت الملاحة، وأعطال ميكانيكية متتالية قلّصت عدد المروحيات الصالحة للعمل إلى ما دون الحد الأدنى المطلوب لتنفيذ المهمة. ومع اتخاذ قرار الإلغاء، وقعت الكارثة التي حوّلت الفشل إلى مأساة: اصطدمت مروحية بطائرة نقل، فانفجرت النيران مخلفة ثمانية قتلى، وانسحبت القوة على عجل تاركة خلفها معدات حساسة. لم تكن تلك الحادثة مجرد إخفاق تكتيكي، بل لحظة كاشفة أعادت طرح سؤال حدود القوة العسكرية حين تتداخل الجغرافيا والطقس وسلاسل القيادة.
عقب تلك التجربة، أجرت واشنطن مراجعات عميقة، فأعادت هيكلة قواتها الخاصة، وطوّرت مفهوم العمليات المشتركة، ورفعت مستوى التنسيق بين الأفرع المختلفة. أصبحت أكثر احترافية وقدرة على تنفيذ عمليات معقدة في بيئات متعددة. غير أن خبراء عسكريين ظلوا يميزون بين تطوير الأداة وفهم حدود استخدامها، فالتفوق التقني والقدرة على التخطيط لا يكفيان وحدهما لضمان النجاح، ما لم تتوافق العملية مع البيئة السياسية والعملياتية التي تُنفذ فيها.
اليوم، ومع تصاعد الحديث عن تشديد الوجود البحري الأمريكي في الخليج، وطرح سيناريوهات تتعلق بفرض “سيطرة” على مضيق هرمز أو تنفيذ إنزال محدود على جزيرة خرك، تعود أسئلة “مخلب النسر” إلى الواجهة من جديد. هل تغيّرت المعادلة بالفعل، أم أن الأدوات تطورت بينما بقيت التحديات الجوهرية على حالها؟
تشير تقديرات عدد من المحللين إلى أن أي محاولة للسيطرة على مضيق هرمز قد تحقق نجاحًا تكتيكيًا أوليًا، نظرًا للتفوق البحري والجوي الأمريكي وقدرته على فرض مظلة ردع وتأمين الممرات لفترات محدودة. إلا أن هذا النجاح، حتى في أفضل السيناريوهات، يبقى هشًا ومكلفًا. فالمضيق ليس مجرد ممر ملاحي ضيق، بل بيئة استراتيجية معقدة يمكن تعطيلها بوسائل غير تقليدية، من ألغام بحرية إلى زوارق سريعة وطائرات مسيّرة وصواريخ ساحلية قصيرة المدى. هذه الأدوات لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة شاملة، بل يكفي استخدامها بشكل متقطع لزرع حالة دائمة من عدم اليقين، ما يؤدي إلى إرباك حركة الملاحة ورفع كلفة التأمين إلى مستويات عالية.
في المقابل، تمثل جزيرة خرك تحديًا أكثر تعقيدًا. فبينما قد يكون الوصول إليها ممكنًا عبر عمليات خاصة أو إنزال مظلي من الطائرات، وربما حتى إنزال برمائي محدود على سواحلها، فإن الاحتفاظ بها يطرح معادلة مختلفة كليًا. مثل هذه التحركات لن تُستقبل بالترحيب، بل ستُواجَه بمقاومة مباشرة تشمل نيرانًا أرضية ومضادات جوية، ضمن بيئة دفاعية تستفيد من الموقع والحساسية الاستراتيجية للجزيرة. كما أن المؤشرات تشير إلى أن الجانب الإيراني، رغم ما يواجهه من تحديات داخلية، قد استوعب دروس تجارب سابقة وطوّر أساليب دفاع غير متماثلة، ما يجعل أي محاولة للسيطرة أو التثبيت أكثر تعقيدًا وكلفة.
الجزيرة تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد النفطي الإيراني، واستهدافها سيُفهم باعتباره ضربة مباشرة للسيادة والقدرة الاقتصادية، ما يزيد من احتمالات الرد غير المتماثل عبر ساحات متعددة. هنا يتحول أي نجاح ميداني سريع إلى التزام دفاعي ثقيل، حيث يصبح تأمين الجزيرة وخطوط الإمداد المرتبطة بها هدفًا دائمًا لهجمات متفرقة يصعب احتواؤها بضربة حاسمة.
التاريخ القريب يقدم نمطًا واضحًا يتكرر في مثل هذه السيناريوهات. ففي العراق وأفغانستان، أثبتت الولايات المتحدة قدرتها على تحقيق “الصدمة الأولى” بسرعة، لكنها واجهت تحديات طويلة ومعقدة في إدارة ما بعدها. وفي الحالة الإيرانية، تتضاعف هذه التحديات بسبب حساسية الموقع الجغرافي، وتشابك المصالح الدولية المرتبطة بالطاقة، وطبيعة الصراع غير التقليدي الذي يفضل الاستنزاف على المواجهة المباشرة.
من زاوية أوسع، لا تقتصر المسألة على البعد العسكري فقط، بل تمتد إلى حسابات السياسة والاقتصاد. أي تعثر في مثل هذه العمليات سيعيد فتح النقاش داخل الولايات المتحدة حول جدوى الانخراطات الخارجية وكلفتها، وقد يؤثر على صورة الردع الأمريكية إذا لم يتحول النجاح التكتيكي إلى إنجاز استراتيجي مستدام. وحتى في حال تحقق نجاح أولي، فإن كلفة تثبيته، عسكريًا واقتصاديًا، قد تحدّ من جدواه السياسية.
بين صحراء طبس ومياه هرمز، يبقى الدرس الذي لا يتغير: القوة قد تفتح الباب، لكنها لا تضمن ما يحدث بعده. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تنفيذ العملية، بل في إدارة تبعاتها في بيئة متقلبة ومعقدة. والتاريخ، حين يُقرأ بعين واقعية، لا يكرر نفسه بقدر ما يحذّر من تجاهله. لأن دخول الحروب يظل أسهل بكثير من الخروج منها، ولأن تجاهل حدود القوة قد يحوّل النجاح السريع إلى عبء طويل الأمد… وقد ينكسر مخلب النسر مرة أخرى.
