ما الذي جعل تربية الأبناء مهمة شاقة اليوم؟

 

 

د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي

لم يعد البيت ولا المدرسة ولا المسجد ولا النادي هي الجهات المسؤولة عن تنشئة الأبناء سلوكيًا، إذ ثمة شريك خفيّ دخل بقوة وبلا استئذان ومن أوسع الأبواب، ونحن من يدفع ثمنه؛ إنها شاشة صغيرة تستحوذ على العين والقلب والوقت.

هنا تبدأ الحكاية؛ حين يظن الأبوان أنهما يُحيطان بكل التفاصيل المتعلقة بأطفالهم، بينما خوارزمية تسويقية ذكية تستدرج ابنتهما المراهقة إلى اهتمامات مصمَّمة بعناية وبخبث وبأساليب تسويقية متقنة ومغرية، وتقترح عليها أصدقاء وتريندات ومعايير جمال ونجاح وشهرة، لا تمتلك حيالها تلك المراهقة سوى الدهشة والانبهار والقبول، وفي هذا المشهد لا غرابة أن يشعر كثير من الآباء بأن مهمة التربية تزداد صعوبة كل يومٍ بعد يوم.

هذه الصعوبة لا تعني عجز الأهل المطلق، بقدر ما تعكس تبدّل البيئة المحيطة بهما؛ فالاقتصاد والتضخم يثقلان كاهل الأسرة بساعات عمل أطول وضغوط ومتطلبات معيشية أقسى وأكبر، والمجتمع أصبح أكثر فردانية، حيث تراجعت جهات الدعم والتربية التقليدية: جارٌ يسمع ويُساند، قريب يمرّ بلا موعد، ومعلم وإمام مسجد يملكان وقتًا للتفرغ للنصح والإرشاد، حتى المدرسة التي كانت يومًا "بيتًا ثانيًا" صارت تكافح لإنهاء مناهج مكتظة بالدروس وأساليب تقويم لا تهدأ؛ حيث أصبحت تُعلّم المعرفة والمهارات أكثر مما تُعلّم القيم والأخلاق، وفي مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة سوق أفكار مسمومة وشاذة مفتوح على مصاريعِه، يختلط فيه الحابل بالنابل والغث بالسمين والجد بالهزل.

وفوق ذلك يعلو "اقتصاد الانتباه " (Attention Economy)، حيث نرى أن صناعات بأكملها أصبحت تتنافس على الاستحواذ على دقائق الطفل اليومية بهدف زيادة المشاهدات وعرض الإعلانات وتحقيق الأرباح، حتى غدت مقاطع الفيديو القصيرة (Reels) على الهاتف المحمول ومحتواها المُصمَّم لإطالة البقاء ندًّا لحديث العائلة اليومي أثناء تناول وجبة العشاء، وندًّا للمشاركة وحضور المناسبات الاجتماعية المختلفة.

ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة ولا قدرًا محتومًا لا مفر منه، والتربية لا تحتاج إلى وصفة سحرية، بل بوصلة، بوصلة تبدأ بالمرافقة لا المراقبة، وبسؤالٍ مفتوح مكان محاضرةٍ طويلة، وبحدودٍ واضحة تُعلَن مسبقًا وتُطبَّق بهدوء: وقت استخدام الأجهزة متفق عليه، مناطق بلا هواتف داخل البيت، وطقوس يومية صغيرة لا تُمسّ: قراءة مشتركة، نزهة قصيرة، حكاية قبل النوم، قراءة للقرآن الكريم.

ما يبدو بسيطًا هو جوهر التربية: انتظام يمنح الأمان، وفي الجوهر استخدام لغة عاطفية هادئة تحتوي المشاعر ولا تحاكمها، فتُعلّم الطفل أن ينظّم نوبات غضبه لا أن يدفنها، وتهذّب رغباته وتوجّهها لا أن تتجاهلها أو تتركها سدى.

لا بد أيضًا من إعادة بناء "العقد التربوي" بين البيت والمدرسة والمجتمع والمسجد والنادي، شراكةٌ لا تكتفي بالتنظير، بل تُقيم حوارًا حول نوعية المواطن الذي نريد؛ هل نريده مستكشفًا ومتعاونًا وقادرًا على الاختيار في زحام الخيارات أم ماذا؟! فلنستثمر في بناء حلقة صغيرة تُحيط بالأبناء: عمّ أو خالة، أخ أو أخت، وإمام مسجد أو جارٌ موثوق، فالتربية مهمة فريق، لا مهمة فردٍ مرهق.

نعم، تربية الأبناء أصعب اليوم، لكنها تغدو أقل قسوة حين نعيد تعريف مفهوم النجاح والتنشئة التربوية؛ حيث لا نريد طفلًا يُنجز كثيرًا فحسب، بل إنسانًا يعرف لماذا يقول "نعم"، ومتى يقول "لا"، وبين هاتين الكلمتين تتشكل المناعة الداخلية التي لا تُبرمجها خوارزمية الذكاء الاصطناعي، وهي في النهاية الغاية التي تستحق كل هذا العناء.

وختامًا، ولأهمية هذه القضية، فقد أكد عليها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- خلال لقائه في حصن الشموخ عام 2022، حيث قال: "إن تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل، بل هي جزء أصيل من المجتمع العُماني، وعندما يتشرب أبناؤنا عاداتنا وتقاليدنا ويتمسكون بالأسرة والمجتمع، فإن ذلك يشكل سبيل نجاح المجتمع".

باحث أكاديمي

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z