حمد الناصري
عُرفت سلطنة عُمان بأنها مصنع السلام، دولةٌ أريبة، وسياستها تقوم على مبدأ الحياد العادل، سياسة داعمة للاستقرار وداعية للسِّلم والوئام، دولة موثوقة انتهجت الوسطية والاعتدال في كافة القضايا الإقليمية والدولية، لا تنحاز إلى طرفٍ دون طرف، وتسلك مبدأ الوئام تحقيقًا للمحبة والسلام، مستندةً إلى ثوابتها التاريخية وقيمها، وحافظت على علاقاتها بمبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، فكانت مصدرًا موثوقًا لحل النزاعات الإقليمية والدولية. ورغم ذلك، تتعرض السلطنة إلى موجة من الهجوم في وسائل التواصل الاجتماعي "السوشال ميديا" وإلى انتقادات مبطنة في وسائل الإعلام، على أثر مبادرتها في تهنئة الرئيس الإيراني المنتخب "مجتبى خامنئي" ليكون خلفًا لوالده علي خامنئي الذي استشهد في عملية عدوانية أمريكية وإسرائيلية استهدفته.
إن تهنئة جلالة السلطان هيثم -أعزه الله- السيد مجتبى خامنئي بمناسبة انتخابه مرشدًا جديدًا لجمهورية إيران الإسلامية، إنما هي خطوة إيجابية تُعزز استقلال السلطنة السياسي وتُؤطر حيادها الأخلاقي، بل إن ذلك يُعد من العرف الدبلوماسي والبروتوكول الدولي المعتاد، لا سيَّما أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية صديقة وجارة متشاطئة معنا في رأس المضيق "مضيق هرمز"، وعلاقاتنا التاريخية والثنائية تتجاوز العرف الدبلوماسي، كما أن رسالة التهنئة تعبّر عن قيم السلام العُماني، وتعبيرٌ عن الاحترام والأخلاق العُمانية الأصيلة، وتُعبّر عن استمرار علاقات التعاون بين الدولتين.
كما أنها تحمل رسالة واضحة، أن الجزيرة العربية ليست طرفًا في حرب "أمريكا وإسرائيل" على إيران، ولسنا طرفًا في نزاعاته، بل نعدّه اعتداءً سافرًا على بلد آمن هو جارٌ لنا، وعلينا أن نقف وقفةَ تضامن رافضة للاعتداء على دول الجوار. إنه موقف حازم اتخذته عُمان كركيزةٍ أساسية: العدالة وعدم الانحياز، ولم تتوقف عند هذا الحد، فحسب، بل دأبت تحثّ الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي أن يقوما بدورهما في حفظ الأمن والسلم الدوليين، فالحرب مفردةٌ قاسية لا تتجاور مع مفردة السلام ولا تتقارب معها؛ فالسلام أملٌ وتفاؤل، والحرب قلقٌ وخوف، ومن يجاور السلام تتجسد في داخله رغبة الأمل والتفاؤل والأمان، أما الحرب فهي قلقٌ وخوف، وظلالها توترٌ واضطراب، والخليج العربي مساحة جغرافية لا تحتمل حربًا ليست حربها، فهدير الصراعات في المنطقة تعكيرٌ لاستقرارها.
والتاريخ يذكّرنا بأحداث أمريكا في المنطقة، الذي كان ثمنه جرَّ المنطقة في حربٍ جرَّتنا إليها أمريكا، وأثبتت الأيام بعدئذٍ أنها صراعٌ مكذوب، ضخّمته الأجندات الأمريكية بالمخاوف والحماقة، فخسرنا أموالنا، ومات من لا ذنب له فيها، صغيرًا كان أو كبيرًا، وخابت الظنون؛ فالحرب فُرضت علينا مرتين، وبقينا على الصدمة التي صنعتها أمريكا، ولم نتعلم من التجربتين.
إن سلطنة عُمان عُرفت منذ تاريخها الأول بأنها بلدٌ نقيٌّ موثوقٌ به، وحيادها أصيلٌ لا يتقلّب، دأبت على رأب الصدع وإنهاء الانقسام وإصلاح الخلاف بالتفاهمات والتنازلات التي قد تُعزز العلاقات وتجمع الخصوم وتوحّد الكلمة، من أجل الوحدة والوئام بين الشعوب المتجاورة التي تربطها ببعضها أنساقٌ من التعاون والعدالة، انطلاقًا من قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
إن عُمان السلام والأمان تزداد قوةً وتماسكًا، والشائعات لن تضعفها، والفتنة لن تهزها، وإثارة المخاوف لن تُزعزع استقرارها، وقيادتها الأريبة مطمئنةٌ لا تلتفت إلى الذين يحملون في قلوبهم حقدًا وحسدًا، بل إنهم يزدادون ثباتًا على حالهم ويتمسكون بموقفٍ حازم، فالسلام موقف الشجعان. ذلك أن سلطنة عُمان تقوم على ثوابت تاريخية، وتعمل على ترسيخ هويتها وإرثها العميق لتتوارثه الأجيال تدعيمًا لمستقبلٍ آمنٍ ومستقر، وتُجيد لغة التسامح وتسعى للتعايش، وتعاملها سبيلٌ لتحقيق السلام، وتُسهم في تعزيز علاقات المجتمعات ببعضها، ذلك هو الرهان.
السِّلم في عقيدة عُمان رباطٌ للمودة ورباطٌ لقيم التعايش، وكلاهما يوفّران بيئة الاستقرار والاطمئنان، وقد آمنت بهما عُمان منذ تكوينها، لإيمانها بأن السلام حجر الزاوية وهو الأساس في حياة الناس وعلاقاتهم ببعض، بل هي عقيدةٌ مستمدةٌ من كرامة الإنسان العُماني، فلا خوف يقلقه ولا توتر يحط من علو شأنه، وتلك قناعةٌ راسخة، شجرتها تعايش وتقارب، وثمرتها تفاؤلٌ وأمل.
ومن منطلق السلام، بعثت سلطنة عُمان رسالتها التاريخية الشاهدة على قيم التقارب والتعايش، برقية تهنئة لانتخاب المرشد الأعلى الجديد في إيران، فكانت رسالة سلامٍ تنظر من خلالها أنها رسالة تضامنٍ وتقاربٍ سياسي، وتُعبّر عن موقف عُمان الثابت تعزيزًا لقيم الأخوة والمصالح المشتركة.
ومن خطاب السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- نستلهم ما يؤكد على ثوابت سياستنا التاريخية وعن مسؤوليتنا للدفاع عن سلامة المضيق وعن التزامنا بأمنه، ذلك القدر العظيم هو رأس الثقة الأريبة؛ فقال في العيد التاسع 1979 عن ذلك الممر المائي "مضيق هرمز": "لا شك في أنكم سمعتم الكثير عمّا قيل بشأن أهمية مضيق هرمز الذي هو جزء من مياهنا الإقليمية والذي هو كذلك من أهم المضايق العالمية"، مؤكدًا -رحمه الله- أن "سلطنة عُمان لن تتردد في الدفاع عن سيادتها الوطنية وسلامة الملاحة الدولية في المياه الدولية إذا تعرض المضيق للخطر"، مركزًا على أهمية المضيق كممر دولي تتقاطع به المصالح الدولية لا ملكًا لأحد. فالعلاقات بين الدول تُبنى على أساس مصالح مشتركة وتبادلات اقتصادية، فتتقارب الدول عند تلاقي منافعها وتتباعد عند تعارض مصالحها، ناهيك عن الموقع الجغرافي والعوامل التاريخية الجيوسياسية والاستراتيجية وتداخلاتها الأخرى كالديموغرافية وسياسات التنمية، فمضيق هرمز ممرٌ بحري دولي لا يحق لأي دولةٍ متجاورة أن تتخذ قراراتها الاستراتيجية وتبسط قوتها وهيمنتها على الممر المائي الدولي، بل يلزم الدول المتجاورة والمتشاطئة على ممرٍ مائي مهم للغاية أن تُعاد القرارات على أسس براغماتية تتقارب بالمصالح المشتركة لا بالتجاوزات الأيديولوجية والتعصب وإقصاء الآخر، فالعدالة السياسية لا تؤدي إلى صراعاتٍ متجاورة، بل السعي إلى الاستقرار علاقاتٌ متبادلة ومرونة قاعدتها التفاعلية احترام المصالح.
إن سعي سلطنة عُمان لمنع التصادمات كي لا تتحول إلى صراع هو موقفٌ شجاع يقوم على مبدأ الحياد الإيجابي الذي تنتهجه السلطنة، وهو إيمانٌ يشد بعضه بعضًا، ودبلوماسيةٌ هادئة تُحوّل التصادمات الإقليمية إلى سلامٍ شجاع يحتكم إلى الحوار ويوقف التصعيد، وهي قوة المنتصر.
