عبدالله بن زهران البلوشي
في مقال مهم وفي توقيت بالغ الدقة، نشرت مجلة الإيكونيميست الأسبوع الماضي مقالا، دعا فيه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عُمان، حلفاء الولايات المتحدة إلى الإسهام في إخراجها من حرب تتصاعد مخاطرها وتهدد استقرار المنطقة.
وفي جوهر هذه الدعوة رسالتان في آنٍ واحد: تحذيرٌ من مسار ينطوي على مخاطر جسيمة، وتذكيرٌ بنهج دبلوماسي عُماني راسخ، تأسس على الحكمة وحسن الموازنة. نهجٌ لا تقف جذوره عند حدود الدبلوماسية، بل تمتد إلى ما هو أعمق — إلى قناعة راسخة بأن الحوار والتهدئة خيارٌ استراتيجي لا تكتيك مرحلي.
إن مقاربة عُمان للصراعات الإقليمية لم تكن يوماً قائمة على اندفاع أو انجراف نحو التحالفات بلا تمعن، بل كان دوماً وليد استشراف المستقبل من خلال استحضار الماضي والتأني في اتخاذ القرار، فحين اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية عام 1980 في أعقاب الاجتياح العراقي للأراضي الإيرانية، بادرت معظم دول الخليج إلى الوقوف إلى جانب بغداد، في حين آثرت عمان مساراً مغايراً، قائماً على الاتزان والبُعد عن الانحياز؛ فأبقت على علاقاتها مع الطرفين، وصمدت في وجه الضغوط الرامية إلى قطع صلاتها بطهران، ولم تتوقف عن المناداة بالتهدئة ووقف التصعيد.
لم يلقَ ذلك الموقف استحساناً واسعاً في حينه، ولم يكن محل ترحيب في الأوساط الرسمية أو حتى الشعبية الخليجية، غير أن الأيام كشفت عن عمق حكمته وبُعد نظره، فالعراق نفسه، الذي أسبغت عليه دول الخليج دعمها ومساندتها، لم يمض على ذلك عقد حتى أقدم على غزو الكويت — وكان ذلك الحدث أحد الأسباب الرئيسية في رسم الهيكل الأمني للمنطقة بأسرها، حيث فتح الباب أمام وجود عسكري أمريكي مستدام، وما ترتب عن ذلك من تداعيات سياسية وأمنية لا تزال المنطقة تتحمل أعباءها حتى اليوم. لم يكن الموقف العماني مجرد قراءة واقعية للمستقبل، بل درس استراتيجي لا تنتهي صلاحيته.
واليوم، وبعد اندلاع الحرب للمرة الثانية خلال أقل من سنة، لم تعد تلك الدروس مادة للتأمل التاريخي، بل باتت وقائع تفرض نفسها بكل ثقل وقسوة على أرض المنطقة. ففي السادس والعشرين من فبراير الماضي، عقدت الولايات المتحدة وإيران جولتهما الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف، بوساطة وزير الخارجية العماني، وأعلن الطرفان أنها كانت "الأكثر جدية والأطول" في مسيرة التفاوض، وأن الجانبين أبديا انفتاحا غير مسبوق على أفكار وحلول جديدة وخلاقة. بل ذهب وزير الخارجية العماني أبعد من ذلك حين أكد في اليوم التالي أن السلام في متناول اليد، وأن إيران وافقت على عدم تخزين اليورانيوم المخصَّب، واصفاً ذلك بالاختراق الكبير الذي لم يتحقق من قبل. غير أنه في غضون ثماني وأربعين ساعة من انتهاء تلك الجولة، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما المنسقة على إيران، فأجهضتا مساراً دبلوماسياً كان يوشك أن يأتي أكله.
وما يُضاعف من وطأة الأزمة الراهنة أنها لم تولد من رحم فراغ دبلوماسي، بل نشأت من قرار واعٍٍٍٍٍ بتعطيل متعمد للدبلوماسية وتجميدها، حيث صرّح وزير الخارجية العُماني بعد اندلاع الأعمال العدائية بأن المفاوضات كانت تُحرز تقدماً حقيقياً، وأن الحرب لم تكن سوى محاولة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق حسابات لا تأخذ مصالح المنطقة في الحسبان. وهكذا، تجد دول المنطقة نفسها مرة أخرى أمام منعطف مصيري. فالحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم تقف عند اختبار القدرات العسكرية وحدها، بل تضع الرؤية الاستراتيجية برمتها على المحك.
وانهيار هذا المسار يكشف حقيقة لا مفر من مواجهتها، فالدبلوماسية حين تُهجر في اللحظة التي توشك فيها أن تأتي أكلها، نادراً ما يكون البديل أجدى أو أرشد. كما أن تداعيات الحرب لا يمكن احتواؤها في منطقة تتشابك فيها المصالح وتتداخل المصائر كالخليج؛ إذ سرعان ما تخطت ميادين القتال التقليدية لتضرب صميم البنية الاقتصادية للمنطقة — من بنية أساسية وممرات الملاحة إلى أسواق الطاقة ومناخ الاستثمار، وصولاً إلى ركائز الاستقرار التي قامت عليها مسيرة التنمية والرخاء في دول الخليج.
فالمخاطر لم تعد افتراضية أو بعيدة، بل حاضرة وملموسة، فالجغرافيا وحدها تجعل دول المنطقة في قلب أي مواجهة لا على هامشها، إذ تقع، شاءت أم أبت، ضمن نطاق التأثير المباشر لأي نزاع مسلح بصرف النظر عن إرادتها أو خياراتها. فضلاً عن ذلك، فإن منطق التصعيد يميل دوماً إلى توسيع دائرة المتأثرين، حيث تجد دول المنطقة نفسها طرفاً في مواجهات لم تُشعلها ولم تسعَ إليها. أضف إلى ذلك أن اقتصادات الخليج، التي تعتمد على التنويع والاندماج في منظومة الاقتصاد العالمي، لا تتحمل تبعات حالة من عدم الاستقرار المزمن.
وهنا تتجلى المعضلة الاستراتيجية: هل ستنساق دول الخليج وراء صراع ترسم ملامحه وفق أولويات الآخرين؟ وهل تمضي في الانخراط التلقائي وغير المشروط ضمن أطر أمنية خارجية تجرها إلى مواجهات تتعارض مع أولوياتها ومصالحها الوطنية؟ أم ستنتهج حسابات استراتيجية أكثر استقلالية ورسوخاً، تصون من خلالها تحالفاتها، مع وضع الاستقرار الإقليمي والسيادة الوطنية في صدارة قراراتها وثوابتها؟ هذه ليست مسألة انتماء، بل مسألة مسؤولية.
وفي هذا السياق، يقدم النموذج العماني إجابة عملية لا مجرد بديل نظري. فسياسة التعامل المتوازن التي انتهجتها مسقط — والقائمة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف بمنأى عن الانزلاق إلى أتون الصراعات — هي التي أهّلتها لتكون الوسيط الذي تلجأ إليه الأطراف حين تضيق بها السبل. وما كان يُوصف في حينه بالحذر الدبلوماسي المفرط، بات اليوم يُقرأ على حقيقته: رؤيةً استراتيجية متقدمة وبعيدة الأثر. وفي ضوء المشهد الراهن، لم يعد هذا النهج خياراً من بين خيارات — بل بات ضرورة تمليها طبيعة المرحلة.
ولا شك أن الولايات المتحدة ستبقى شريكاً استراتيجياً محورياً لدول الخليج، تجمعها بها علاقات راسخة تمتد عبر الميادين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، بيد أن الشراكة الحقيقية لا تُبنى على الاصطفاف التلقائي، بل تتأسس على الاحترام المتبادل والإنصات الفعلي. ومن ثَمَّ، فحين يُنبّه الشركاء الإقليميون إلى أن صراعاً بعينه كان بالإمكان تجنبه، أو أن كلفته تجاوزت مكاسبه بمراحل، فإن هذه التحذيرات تستحق أن تُؤخذ بجدية تامة، لا أن تُقابَل بالتجاهل أو الاستهانة.
وفي المقابل، على دول الخليج أن تستوعب حقيقة باتت لا تحتمل التأجيل: فالاعتماد على التحالفات الأمنية الخارجية دون امتلاك قرار سيادي مستقل لم يعد نهجاً قابلاً للاستمرار في عالم تتعدد فيه مراكز الثقل وتتشابك محاوره. ولا تعني الاستقلالية الاستراتيجية بالضرورة قطع الجسور مع الحلفاء أو التخلي عن التحالفات، بل تعني تعميقها وتمتينها — من موقع الندّية لا التبعية — عبر وضوح الرؤية، والثقة بالنفس، والجرأة على قول "لا" حين يقتضي الموقف ذلك.
إن ما كشفته الأزمة الراهنة يتجاوز أبعاده مسار الحرب وتداعياتها المباشرة، ليطرح تساؤلاً أعمق وأبعد أثراً: إلى أين تتجه العلاقات الأمريكية–الخليجية؟ هل ستظل رهينة نموذج التبعية وردود الفعل، حيث تجد دول الخليج نفسها دوماً في موقع المتلقي لا الفاعل؟ أم أن هذه المرحلة الفارقة ستكون منعطفاً نحو شراكة أكثر نضجاً وتوازناً، تُسهم فيها دول الخليج بفاعلية حقيقية في صياغة النتائج ورسم ملامح المشهد، بدلاً من الاكتفاء بتحمّل تبعاتها والتكيف مع إفرازاتها؟
والإجابة على هذا السؤال لن يحدد مآلات هذا الصراع فحسب، بل سيلقي بظلاله على مستقبل المنطقة برمتها، وعلى ما ستورثه هذه المرحلة للأجيال القادمة من استقرار أو اضطراب. والتاريخ العُماني علمنا أن الخيار الأكثر حكمة ليس بالضرورة الأيسر أو الأكثر شعبية — لكنه في الغالب الأطول عمراً والأعمق أثراً.
