د. سليمان بن خلفان المياحي
حين يسمع الناس كلمة "إدمان" تتجه أذهانهم مباشرة إلى المخدرات أو الألعاب الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكن هناك نوعًا آخر من الإدمان أقل ضجيجًا وأكثر خطورة، لأنه يتسلل إلى الشخصية دون أن يلفت الانتباه، ويترك أثره في الدراسة والعلاقات والطموح والسلوك، إنه إدمان اللامبالاة. أنت تراه جالسا بين أقرانه. عيناه شاخصتان إلى شاشة هاتفه. لا يحرك ساكنا. لا يسأل. لا يجيب. هذا ليس كسلا عابرا. هذا إدمان اللامبالاة. وهو أخطر إدمان يفتك بالمراهقين اليوم.
المراهق الذي يدمن اللامبالاة لا يبدو مريضًا في الظاهر، ولا يثير قلق المحيطين به في البداية، لكنه يفقد تدريجيًا اهتمامه بواجباته، ويتراجع حماسه للتعلم، ويضعف شعوره بالمسؤولية، ويصبح ردّه المعتاد على معظم المواقف: "لا يهم، أو لا فرق، أو افعلوا ما تريدون".
اللا مبالاة تعني فقدان القدرة على الاهتمام. المراهق اللا مبالي لا يفرح لنجاح. لا يحزن لفشل. لا يغضب لظلم. يقول الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139). واللامبالي يهن ويحزن بلا سبب ثم لا يتحرك.
يخلط بعض الناس بين الهدوء النفسي واللامبالاة، بينما الفرق بينهما كبير. الهدوء النفسي يعني أن تدير مشاعرك بحكمة، وأن تتعامل مع الأحداث بتوازن. أما اللامبالاة فتعني أن تتوقف عن الاهتمام أصلًا، وأن تنسحب من مسؤولياتك، وأن تفقد الدافع نحو التغيير أو الإنجاز. ولهذا جاءت النصوص الشرعية لتربي المسلم على الاهتمام والمسؤولية والعمل.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ فالدين لا يصنع شخصية مستسلمة للأحداث، بل يصنع شخصية فاعلة تؤثر وتبادر وتتحمل المسؤولية.
لكن.. كيف يتحول المراهق إلى شخص لا يبالي؟
لا يولد أحد غير مبالٍ، بل تتشكل هذه الحالة مع الوقت نتيجة عوامل متراكمة، من أبرزها:
- الإفراط في استخدام الشاشات والترفيه السريع.
- غياب الأهداف الشخصية الواضحة.
- الحماية الزائدة من الوالدين.
- التعرض المتكرر للفشل دون دعم أو توجيه.
- المقارنات المستمرة التي تضعف الثقة بالنفس.
- البيئة التي تكثر فيها الشكوى ويقل فيها الإنجاز.
وتشير العديد من الدراسات التربوية الحديثة إلى أن انخفاض الدافعية لدى المراهقين يرتبط بارتفاع ساعات الترفيه الرقمي وقلة المشاركة في الأنشطة الواقعية التي تمنحهم الشعور بالإنجاز والمسؤولية.
علامات إدمان اللامبالاة
إذا لاحظت هذه المؤشرات بصورة متكررة، فإن الأمر يحتاج إلى انتباه جاد:
- عدم الاهتمام بالنتائج الدراسية.
- غياب الحماس لأي هدف مستقبلي.
- التأخر المستمر في أداء الواجبات.
- ضعف المبادرة في المنزل أو المدرسة.
- التهرب من تحمل المسؤولية.
- عدم التأثر بالنصح أو التوجيه أو العقوبات المعتدلة.
- قضاء ساعات طويلة في أنشطة لا تضيف قيمة حقيقية.
إذن.. الخطر الحقيقي هنا أن المراهق لا يشعر بوجود مشكلة، ولذلك يستمر التراجع بصمت؛ فاللامبالاة تقتل الطموح قبل أن تقتل الإنجاز، والفشل لا يبدأ عند سقوط النتائج؛ بل يبدأ عندما يفقد الإنسان اهتمامه بالمحاولة. ولهذا قال الشاعر الكبير المتنبي:
إذا كانت النفوس كبارًا // تعبت في مرادها الأجسام
فالإنجاز يبدأ من النفس قبل أن يظهر في الواقع. وعندما تتراجع الرغبة في التعلم والعمل والاجتهاد، يصبح النجاح حدثًا نادرًا مهما توفرت الإمكانات.
وأبو الطيب المتنبي شاعرنا السابق قال كذلك :
إذا غامرت في شرف مروم // فلا تقنع بما دون النجوم
واللامبالي لا يغامر. لا يطمح. لا يحلق.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أن نعالج اللامبالاة بالمحاضرات الطويلة فقط؛ فالمراهق يحتاج إلى مسؤوليات حقيقية أكثر من حاجته إلى الخطب. كلفه بمهمة واضحة داخل المنزل. اجعله يشارك في اتخاذ بعض القرارات. شجعه على الأعمال التطوعية. اربط الامتيازات بالإنجاز. احتفل بالتحسن ولو كان بسيطًا. عندما يشعر المراهق أن له دورًا مؤثرًا، يبدأ اهتمامه بالعودة تدريجيًا.
النبي صلى الله عليه وسلم ربّى الشباب على المسؤولية مبكرًا، فقاد بعضهم الجيوش، وحمل بعضهم العلم، وأسند إليهم مهام كبيرة صنعت منهم رجالًا قبل أعمارهم.
وقال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، وذكر منها: «شبابك قبل هرمك».
إنها دعوة واضحة إلى استثمار سنوات الشباب وعدم إهدارها في الفراغ والانسحاب.
رسالة إلى كل أب وأم
لا تنشغلوا فقط بحماية أبنائكم من الإدمان المعروف، بل انتبهوا إلى الإدمان الصامت الذي يسرق منهم الطموح والإرادة والشعور بالمسؤولية. ازرعوا فيهم معنى الإنجاز. امدحوا الجهد قبل النتيجة. اربطوا الحرية بالمسؤولية. ساعدوهم على اكتشاف أهداف تستحق السعي. علموهم أن الحياة لا تكافئ المتفرجين، وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه من عمل نافع وأثر طيب.
المراهق الذي يبالي بمستقبله، ويهتم بدينه، ويحترم وقته، ويتحمل مسؤوليته، يملك أهم أدوات النجاح مهما كانت التحديات من حوله. أما الذي اعتاد اللامبالاة، فإنه يخسر كثيرًا قبل أن يدرك حجم ما فقده.
ختامًا أيها اللامبالي تذكر هذا جيدًا: أن اللامبالاة ليست شخصيتك. هي مجرد عادة سيئة يمكنك تغييرها. ابدأ اليوم باتخاذ قرار صغير. اقفز من سريرك فور سماع المنبه. اذهب إلى المسجد للصلاة في وقتها. كلم والدك عن يومك. هذه الأفعال الصغيرة تعيد تشغيل حماسك للحياة. أنت أقوى من شاشة هاتفك. أثبت ذلك لنفسك قبل أن يثبته أي شخص آخر.
** استشاري تربوي ومدرب دولي
