د. محمد بن مبارك العريمي
جامعة التقنية والعلوم التطبيقية
يشكّل المقال الذي نشره أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي في جريدة الرؤية بعنوان (من اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة: كيف تُعيد الإدارة الذكية تشكيل مستقبل عُمان؟) إضافة فكرية مهمة للنقاش الدائر حول مستقبل الاقتصاد العُماني. فالمقال لا يعالج التحديات الاقتصادية من زاوية تقليدية مرتبطة بأسعار النفط أو مؤشرات مالية آنية، بل يسعى إلى إعادة تفكيك البنية العميقة للنموذج الريعي الذي تشكّل عبر عقود، ليستند إلى رؤية تؤكد أن المشكلة الحقيقية تكمن في الثقافة الاقتصادية والأنماط الإدارية التي رسخت الاعتماد على الريع بدلًا من خلق القيمة.
هذه الفكرة تتوافق مع الأدبيات الاقتصادية الحديثة التي تربط الاقتصاد الريعي بضعف المؤسسات، والاعتماد على مصدر واحد للدخل، وغياب التنويع، وهي الظواهر التي تناولتها دراسات عديدة في الاقتصاد السياسي والتنمية، والتي تؤكد أن البلدان الريعية غالبًا ما تعاني من هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وضعف الحوكمة، وانتشار البيروقراطية على حساب الكفاءة.
تشخيص دقيق… لكنه بحاجة إلى تعميق جذوره
كما يمتاز المقال أيضا بوضوح الرؤية في التأكيد على أن عُمان تقف اليوم عند مفترق طرق، وأن الانتقال إلى اقتصاد قائم على القيمة لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية تحتمها التحولات العالمية في التكنولوجيا والابتكار والاستدامة البيئية. غير أن النقد الأكاديمي يقتضي التوقف عند نقطة أساسية:
المقال أشار إلى «الثقافة الريعية» لكنه لم يتناول جذورها الاجتماعية والسياسية، ولا كيف تتجذّر داخل المؤسسات والأنماط السلوكية للمجتمع. إذ تشير كثير من البحوث في الاقتصاد السياسي إلى أن التحولات من النمط الريعي إلى الاقتصاد المنتج لا يمكن أن تتم عبر إصلاحات إدارية فقط، بل عبر إعادة صياغة العقد الاجتماعي ذاته، وتطوير منظومة الحوافز التي تربط الإنتاجية بالمكافأة، والكفاءة بالتقدم الوظيفي.
البيئة مورد اقتصادي… ولكن أين الإنسان؟
من النقاط القوية في مقال الصاوي الإشارة إلى أن البيئة العُمانية ليست مجرد إطار جغرافي، بل أصل اقتصادي قابل للاستثمار عبر السياحة البيئية والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري. هذا التوجه يتوافق مع الاتجاهات العالمية في التنمية المستدامة، إلا أن نجاحه يعتمد على دور الإنسان كعنصر أساسي لم يتم التركيز عليه بما يكفي.
فالإدارة البيئية المستدامة ليست مفهومًا حكوميًا فقط، بل هي سلوك مجتمعي يتطلب وعيًا استهلاكيًا جديدًا، وثقافة مسؤولة تجاه الموارد، وقطاعًا صناعيًا قادرًا على إعادة التدوير والتحويل. وقد أثبتت الأدبيات التنموية أن الاقتصاد الأخضر لا يزدهر في غياب ثقافة مجتمعية واعية وقطاع خاص نشيط وبيئة تنظيمية تحفز الابتكار.
بين الطموح والواقع… الفجوة التي يجب ردمها
ومن خلال قراءة متأنية للمقال والسياق الاقتصادي العُماني، يتضح أن التحول نحو اقتصاد القيمة ما زال يُواجه ثلاث فجوات بنيوية تُبطئ تقدمه وتعوق قدرته على إحداث النقلة النوعية المرجوّة. فالفجوة الأولى تتجسد في الثقافة الإدارية التي ما زالت أسيرة نماذج تقليدية تُقدّم البيروقراطية على الكفاءة، وتُقيّد روح المبادرة والابتكار داخل المؤسسات، مما يحدّ من قدرتها على تبنّي فكر إداري حديث قادر على صناعة القيمة بدلًا من إدارة الروتين. أما الفجوة الثانية فتبرز كذلك الحاجة إلى تعزيز منظومة الحوكمة والمساءلة بما يتوافق مع متطلبات الإدارة الحديثة، وبما يضمن مواءمة الأداء مع معايير الشفافية والكفاءة؛ إذ إن التحول نحو إدارة ذكية يتطلب رقابة قائمة على البيانات، وربطًا مباشرًا بين النتائج والمكافآت، وتفعيلًا حقيقيًا لمؤشرات الأداء، وهي شروط لا تزال في طور التشكل داخل البيئة المؤسسية. أما الفجوة الثالثة فهي فجوة رأس المال البشري، إذ لا يمكن للاقتصاد المعرفي أن ينمو في غياب كوادر تمتلك مهارات تحليل البيانات، والتقنية، والتفكير الابتكاري، وهي مهارات ما زالت محدودة الانتشار في سوق العمل العُماني، ما يؤكد أن تعزيز القدرات البشرية ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية لنجاح التحول المنشود.
نحو مشروع وطني شامل للتحوّل
تذهب الأدبيات العلمية في مجال التنمية إلى أن التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد القيمة لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات إدارية متفرقة أو تحسينات تشغيلية جزئية، بل يتطلب مشروعًا وطنيًا شاملًا يعيد بناء منظومة العمل الاقتصادي برمتها على أسس جديدة. فهذا التحول يستلزم وجود مؤسسات تمتلك القدرة على الابتكار وتبنّي مناهج عمل مرنة تجاه التغيير، ومنظومة تعليمية تُنتج المعرفة وتُنمّي المهارات المستقبلية بدلًا من الاكتفاء بتخريج حملة شهادات لا ينعكس أثرهم في الاقتصاد الحقيقي. كما يقتضي دورًا أكثر فاعلية للقطاع الخاص، يقوم على المبادرة وتحمل المخاطر وتوظيف التكنولوجيا، وليس انتظار المبادرات الحكومية. ويتوازى ذلك مع ضرورة ترسيخ ثقافة مجتمعية تُقدّم الكفاءة والجدارة على الامتيازات العرفية، وتدعم قيم الاجتهاد، والمساءلة، والإنتاجية. ولا يمكن أن يكتمل هذا التحول دون حوكمة رشيدة تعلي قيمة الشفافية، وتربط الأداء بالمساءلة، وتُعيد الثقة في المؤسسات العامة والخاصة. ومن هذا المنظور، فإن مستقبل عُمان الاقتصادي لن يُبنى على الموارد الطبيعية مهما كانت وفرتها، بل على كفاءة إدارتها، وعلى قدرة المجتمع والدولة معًا على توليد قيمة مضافة قائمة على المعرفة والإبداع؛ وهو جوهر التحول الذي يشير إليه المقال، والتحدي الأكبر الذي يستدعي تضافر الجهود لتحقيقه.
