عُمان… صوت الحكمة في زمن الضجيج

أنور الخنجري

alkhanjarianwar@gmail.com

في خضمّ الاضطرابات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز سلطنة عُمان كحالةٍ استثنائية في إدارة السياسة الخارجية؛ سياسة قائمة على الاتزان والحياد الإيجابي، والسعي الدائم نحو التهدئة بدل التصعيد. ولم تكن هذه المقاربة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لنهجٍ راسخ أرسته القيادة العُمانية عبر عقود، وجعلت من البلاد وسيطًا موثوقًا في واحدةٍ من أكثر مناطق العالم تعقيدًا.

فمنذ سنواتٍ طويلة، اختارت عُمان أن تقف على مسافةٍ واحدة من جميع الأطراف، دون أن تنخرط في الاستقطابات الحادة أو المحاور المتصارعة. وقد منحها هذا التوازن مصداقيةً عالية، ليس فقط في الخليج، بل على المستوى العربي والدولي. وبينما انخرطت دول أخرى في صراعاتٍ مباشرة أو غير مباشرة، حافظت عُمان على دور "الوسيط الهادئ" الذي يعمل بصمت، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والمصالح الضيقة.

لقد لعبت السلطنة دورًا محوريًا في احتواء العديد من الأزمات، مستفيدةً من شبكة علاقاتها المتوازنة، خاصةً مع أطرافٍ يصعب الجمع بينها. وتُعدّ علاقتها مع إيران مثالًا بارزًا على هذا النهج؛ إذ استطاعت عُمان الحفاظ على قنوات تواصلٍ مفتوحة، في وقتٍ كانت فيه هذه العلاقات محل توترٍ إقليمي ودولي. ولم يكن هذا التوازن انحيازًا، بل قراءة واقعية للجغرافيا السياسية، قائمة على قناعةٍ راسخة بأن الجوار لا يمكن تغييره، وأن التعايش هو الخيار الوحيد المستدام.

ويشهد التاريخ الحديث على نجاح عُمان في "إذابة الجليد" عن العديد من الملفات الشائكة؛ من بينها العلاقات المصرية الإيرانية في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، حيث أسهمت في إعادة بناء جسور التواصل في لحظاتٍ شديدة الحساسية. كما برز الدور العُماني بوضوحٍ في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الخليجية خلال أزمة قطر عام 2017، حيث حافظت سلطنة عُمان على موقفٍ متوازن، وامتنعت عن الانخراط في التصعيد، مفضِّلةً العمل بهدوءٍ للحفاظ على وحدة الصف الخليجي. كما تبنّت موقفًا قائمًا على الحياد الإيجابي في الصراع في اليمن، فامتنعت عن الانخراط العسكري، وفتحت قنواتٍ للحوار بين مختلف الأطراف، وسعت إلى الدفع نحو وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسويةٍ سياسية شاملة. وكذلك الحال في مصر وإيران والعراق وسوريا، حيث اتسم الموقف العُماني بالاتزان، فحافظت السلطنة على علاقاتٍ دبلوماسية، وابتعدت عن سياسات القطيعة، انطلاقًا من قناعةٍ بأن العزل لا يفضي إلى حلول، وأن الحوار -حتى في أصعب الظروف- يبقى السبيل الأنجع لتفكيك الأزمات المعقدة. ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن تُوصَف السلطنة بأنها "سويسرا الشرق الأوسط"، في إشارةٍ إلى حيادها وقدرتها على أداء دور الوسيط النزيه.

ولم يقتصر الدور العُماني على الوساطات السياسية، بل امتد إلى الجوانب الإنسانية، حيث اضطلعت السلطنة بجهودٍ بارزة في إطلاق سراح رهائن ومحتجزين في مناطق نزاع، سواء في اليمن أو في إيران. وتعكس هذه الجهود، التي غالبًا ما تتم بعيدًا عن الأضواء، مستوى الثقة الذي تحظى به عُمان لدى مختلف الأطراف، وقدرتها على التحرك في ملفاتٍ شديدة الحساسية دون إثارة توترات إضافية.

ومن أبرز المحطات التي تجسّد ثقل الدبلوماسية العُمانية دورها المحوري في التمهيد للتوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، حيث استضافت السلطنة قنوات اتصالٍ سرية ومباحثاتٍ أولية بين الولايات المتحدة وإيران مهّدت الطريق لاتفاقٍ تاريخي خفّف من حدة التوتر في المنطقة آنذاك. كما واصلت تسهيل قنوات الحوار والمباحثات غير المعلنة بين الطرفين في مراحل لاحقة، حتى في أوقات التصعيد، انطلاقًا من إيمانٍ راسخ بأن الحوار يظل الخيار الأقل كلفة والأكثر استدامة.

وفي ظل الحرب الدائرة حاليًا في المنطقة، يتجدد الدور العُماني كفاعلٍ دبلوماسي يسعى إلى وقف إطلاق النار وتهيئة الأرضية لحلولٍ سلمية. فبدل الانخراط في صراعاتٍ لا تخدم الاستقرار، تعمل السلطنة على تقريب وجهات النظر، دون أن تفرض شروطًا أو تسعى إلى مكاسب سياسية أو أمنية. وقد أكسبتها هذه المقاربة النزيهة احترامًا واسعًا، وجعلت من وساطاتها محل قبولٍ لدى مختلف الأطراف.

إنّ فهم السياسة الخارجية العُمانية يتطلب العودة إلى جذورها التاريخية؛ فالموقع الجغرافي لعُمان، وإرثها البحري، وعلاقاتها الممتدة مع محيطها الآسيوي والإفريقي، إضافةً إلى علاقاتها المبكرة مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1840، كلها عوامل أسهمت في تشكيل عقلٍ سياسي يؤمن بالتوازن والتعايش. وقد جاء نهج السلطان الراحل قابوس بن سعيد ليعزّز هذا المسار، عبر سياسةٍ خارجية تقوم على عدم التدخل، واحترام سيادة الدول، وبناء الجسور بدل هدمها، وهو النهج الذي يتواصل اليوم بقيادة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله.

إن ما يميز السياسة الخارجية العُمانية ليس فقط حيادها، بل استقلاليتها أيضًا. فهي لم تُجرّ إلى صراعاتٍ لا تخصها، ولم تُبتز لاتخاذ مواقف تخدم أجنداتٍ خارجية، بل حافظت على قرارها السيادي، مستندةً إلى رؤيةٍ واضحة لمصالحها الوطنية والإقليمية. وفي المقابل، تبدو بعض الدول في المنطقة وكأنها تفضّل خوض تجاربها الخاصة، حتى وإن كانت كلفتها باهظة. وهذا لا ينفي حق كل دولة في رسم سياساتها، لكنه يطرح تساؤلًا مشروعًا حول جدوى تجاهل نموذجٍ عُماني أثبت نجاحه في تقليل الخسائر وتعزيز الاستقرار.

ورغم هذا السجل الحافل بالنجاحات، تثير الاستغراب حملات التشويه والانتقاد التي تطال هذه السياسة الرزينة؛ إذ يُساء فهم الحياد العُماني أحيانًا على أنه تردد أو انسحاب، بينما هو في حقيقته شكلٌ متقدم من أشكال التأثير، يقوم على بناء الثقة واحتواء الأزمات بدل تأجيجها.

وفي الختام، لا تمثل السياسة العُمانية مجرد خيارٍ دبلوماسي، بل تعبيرًا عميقًا عن هويةٍ وطنية راسخة تؤمن بالحكمة والتوازن والكرامة. ولذلك، يشعر العُمانيون بفخرٍ تجاه هذا النهج الذي جنّب بلادهم ويلات الصراعات، ومنحها مكانةً محترمة بين الأمم. وهذا الفخر لا يتزعزع أمام ضجيج الحملات أو صخب الانتقادات، لأن العُمانيين يدركون أن ما يُبنى على الحكمة يدوم، وأن صوت العقل -وإن بدا هادئًا- يبقى الأكثر تأثيرًا. وبينما ينشغل البعض بالصراخ، تواصل عُمان دورها بثقةٍ وثبات، متمسكةً بسياسةٍ أثبتت أن الهدوء ليس ضعفًا، بل قوة من نوعٍ مختلف… قوة تصنع السلام.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z