خلفان الطوقي
هذه المقالة خليطٌ من الاقتصاد والسياسة، فلا يمكن الفصل بينهما، ويبقى السؤال الجوهري: هل الاقتصاد هو من يقود السياسة؟ أو العكس؟ أو أن التقاطع فيما بينهما هو من يحدد من يقود الآخر؟ وتبقى جدلية الحوار مستمرة، ولكل طرفٍ حجته لما هو مقتنع به.
وسوف أحاول تفنيد الموقف العماني حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة وإيران من جهةٍ أخرى، ولماذا تتبنى هذا الموقف السياسي بالذات، والذي يراه البعض متحفظًا، والبعض الآخر يراه محايدًا، وآخرون يرونه يميل إلى طرفٍ دون آخر، ولكن الأهم مما يراه الآخرون هو الإجابة: ما هي العوامل التي جعلت عُمان تتبنى هذا الموقف رغم حساسيته من جميع الأطراف؟ ووجهة نظري للأسباب التالية:
- النظرة العميقة: والتي تكمن في معرفتها الأكيدة أن هذه الحرب، وأي حربٍ أخرى كما علمتنا الدروس والعبر التاريخية، لا يمكن أن تُحل إلا من خلال الحلول الدبلوماسية، ولا تهدئة إلا من خلال طاولة الحوار والمفاوضات السياسية الجادة.
- القناعات الراسخة: سلطنة عُمان منخرطة في الحلول الدبلوماسية في الملف النووي الإيراني منذ بدايته الأولى في عام ٢٠١٣م إلى عام ٢٠٢٦م، وترى أن المفاوضات بين أيادي الطرفين، وعليه لا يمكن بعد هذه الجهود الدبلوماسية بين الطرفين أن تناقض نفسها بأي شكلٍ من أشكال التصعيد القولي أو الفعلي.
- خط الرجعة: سلطنة عُمان ودول الخليج وأمريكا والاتحاد الأوروبي وإيران وغيرهم من اللاعبين والقوى السياسية المؤثرة متوافقة أن السلطنة سوف تظل "خط الرجعة" الموثوق به، سواء كان ذلك علانيةً أو من خلف الكواليس، منفردةً أو مع أطرافٍ أخرى، وأي تصعيدٍ من الطرف العماني يفقدها هذا الدور.
- نقاط القوة لعُمان: ما يميز سلطنة عُمان أن لديها الدراية الكاملة بنقطة قوتها المحورية، والتي تكمن في علاقاتها الدبلوماسية المميزة مع الجميع، وهي وسيط موثوق به ومجرب في عشرات الوساطات السياسية في العديد من الملفات الحساسة، وأثبتت مصداقيتها ومهنيتها العالية ووقوفها على الحياد التام بين الفرقاء، وهذا ينبع من ثوابت تاريخية، ومن حرصها على تحقيق هدفٍ سامٍ، وهو إبعاد منطقة الشرق الأوسط عن الحروب والفوضى والتخبط وأي انزلاقاتٍ معقدة وذات عواقب مكلفة.
- الصورة الذهنية: وتكمن في النظرة والسمعة المرسومة عن عُمان أنها مؤمنة بشكلٍ راسخ أنها ساعية للسلام والحكمة والاتزان في عشرات الملفات الدبلوماسية، والتي ساهمت في التوسط فيما بين الدول ذات الخلافات ووجهات النظر المختلفة والدول البعيدة عن محيط الشرق الأوسط، وعليه فالأولى السعي الحثيث لترميم أي تصدعٍ في المحيط القريب، لذلك لا أتوقع أن تنخرط السلطنة رسميًا في أي تصعيد وصب الزيت على النار مهما تعرضت لأي ضغوطاتٍ مجتمعية، والسبب أن ما يهمها أكبر وأعمق بكثير مما يهم من ينظر من جانبٍ واحد، ولا يستطيع أن يقرأ ما بين السطور، ويعلم ببواطن الأمور وكواليس السياسة وتعقيداتها.
- الأولويات التنموية: بالرغم من اقتراب الصراعات منا بشكلٍ أو بآخر، إلا أن الأولويات الوطنية ليست في سباق التسلح المكلف، وإنما في التنمية البشرية والتنموية، ورهان سلطنة عُمان ينطلق من عدة منطلقات: أن التنمية والسلام والأمان هو الضمان للتنمية المستدامة، وأن حبل الحروب مكلف ومعقد ولا يجلب إلا العواقب المكلفة والمعقدة، والرهان الأهم بأن عُمان سوف تظل صديقة الجميع، وسوف تكمل مسيرتها الدبلوماسية ووساطاتها السياسية لكل من يرغب في السلام والعيش المشترك، بعيدًا عن أي حساباتٍ تاريخية أو جغرافية.
ولذلك، نجد عُمان بشكلٍ صريح وفي هذه الظروف الحساسة للغاية تبعث برسالةٍ داخلية وخارجية أنها تبني ولا تهدم، فالبناء يستمر لسنوات، والتحدي الأكبر هو المحافظة على ما أُنجز، والتحدي الأعظم من ذلك هو الثبات على المواقف في وقت الأزمات، مهما كانت الضغوطات الرسمية والمجتمعية من الداخل أو الخارج، بعيدًا عن التهور وردّات الفعل السريعة، والانتقادات الحادة والجارحة، فالعبرة بخواتيم الأمور، ومن لم يتفهم موقف عُمان المتزن ربما سيفهمه بعد انقضاء الغمة وعودة الأمور إلى سابق عهدها، وفي الختام، الاختلاف في الرأي والمواقف لا يفسد الود فيما بيننا.
