ريتّا دار
قبل أيام، رأيت طفلًا يقف أمام خريطة معلّقة على جدار صفّ مدرسي، كان يشير بإصبعه إلى بلدٍ ما ويسأل المعلّمة: "هل هذا بعيد؟"
ابتسمت المعلّمة وقالت: "نعم، بعيد".
هزّ الطفل رأسه قليلًا، ثم عاد إلى مقعده، وكأن الإجابة أنهت الأمر.
لكن الحقيقة ليست بهذه البساطة.
الكبار يتحدثون عن العالم بلغة الجغرافيا. حدود، ودول، ومناطق نفوذ، وممرات استراتيجية.
الكلمات تبدو دقيقة جدًا على الورق.
لكن الأطفال لا يرون العالم بهذه الطريقة.
بالنسبة لهم، العالم بسيط. هناك بيت، ومدرسة، وشارع يعرفون طريقه جيدًا.
وخارج ذلك… كل شيء مجرد أماكن بعيدة لا تعني لهم الكثير.
ربما لهذا تبدو الحروب أكثر قسوة حين ننظر إليها بعين طفل.
الطفل لا يفهم لماذا يجب أن يتغير كل شيء فجأة.
لا يفهم لماذا يتحدث الكبار بصوت قلق.
ولا لماذا يتابعون الأخبار بوجوه متجهمة.
ولا لماذا يتكرر سؤال واحد في البيت أكثر من غيره: "هل الأمور آمنة؟"
في عالم الكبار، كل شيء يُشرح. هناك أسباب للحروب، وتحليلات، وآراء، ومواقف سياسية.
لكن في عالم الطفل، لا توجد هذه التعقيدات.
هناك فقط سؤال بسيط جدًا: لماذا يحدث كل هذا؟
ربما لا يملك أحد إجابة سهلة.
لكن ما نعرفه جيدًا هو أن الأطفال يدفعون ثمن أشياء لم يختاروها يومًا.
هم لا يرسمون الخرائط، ولا يكتبون القرارات، ولا يشاركون في النزاعات. ومع ذلك، يجدون أنفسهم أحيانًا يعيشون في عالم تغير فجأة دون أن يشرح لهم أحد السبب.
وربما لهذا السبب تحديدًا، تظل براءة الأطفال تذكيرًا صامتًا بشيء مهم.
إن العالم الذي يختلف عليه الكبار كثيرًا.. هو في النهاية المكان نفسه الذي يجب أن يكبر فيه الأطفال بأمان، والخرائط التي نرسمها نحن، لا تعني لهم شيئًا بقدر ما يعنيهم شيء واحد فقط: أن يبقى العالم مكانًا صالحًا للعيش، واللعب.
