فول وقصب (6)

 

 

مُزنة المسافر

شَعَرَ الأراجوز بالغثيان، لقد نزل إلى الأسفل بالسلة، التي كانت تجلس فيها البطاطا في الماضي، وصار لها دور مهم في الحياة أن تُنزل الأراجوز لتحت، للدنيا المتحركة، المُتبدِّلة.

لكنه يشعر بالدوار، عصاه تلامس الأرض والتراب لأول مرة، لقد فعلتها يا أراجوز، الدنيا أمامك، وعمي رجب وعالم العرائس ورائك.

يسير الأراجوز أو بالأحرى يقفز وهو يقطع الشارع، ويقطع أزقة الحي كلها، يخشى الأراجوز أن يلمحه عمي رجب الذي يجلس في التو على كرسي في مقهى الزقاق، يشرب كوباية الشاي، ويلعب الطاولة، ويرمي النرد كما يرمي دُماه بعيدًا عن انتباهه.

بالطبع لن يشعر عمي رجب بالندم، ولن يبكي لغياب الأراجوز، هكذا قال له شكشك حين ودعه، أن يذهب ولا يعود، ربما شكشك المسكين قد عانى كثيرًا، لكنه أيضًا قد لطخ فؤاده بالحسد، يحتاج الأراجوز أن يُبخِّر نفسه من العيون الحسودة، ويحتاج كفًا تكُف الآخرين عن أن يحقدوا عليه، ويصنعوا له الدسائس رغم أنهم كلهم عرائس.

سيُنادي الأراجوز على أي أسطا في سيارة أجرة، ليقف أمامه، ويأخذه إلى الدنيا، لديه تحويشة العمر، تحويشة التعب والعذاب الذي شعر به في مسرح العرائس. ربنا أخيرًا استجاب لدعائه، بخته تغيَّر، وطالعه تبدَّل.

والكوتشينة وأوراق البخت العظيمة قالت عن أمور جميلة ستحدث له، حين كان يقرأ الأراجوز عن برجه في الجورنال، عرف أنه برج الثور، وأن هذا الوقت هو المناسب ليثور على الجميع.

جلس الأراجوز في سيارة الأجرة في المقعد الخلفي، ربط الحزام كما طلب منه الأسطا، وهنا انطلقت سيارة الأجرة نحو الشوارع والجسور والدَوّار الذي يجعل رأسك يدور كثيرًا.

الأراجوز يشاهد المدينة لأول مرة من نافذة سيارة الأجرة، ويطلب من السائق بسعادة غامرة، أن يسمع أغنية.

الأراجوز: عايز اسمع حلوة يا بلدي!

الأسطا: الغنوة؟ بتاعت داليدا.

حلوة يا بلدي.. فاكرة يا بلدي.

الأراجوز: قلبي مليان بحكايات… فين أيام زمان قبل الوداع.

كنا بنقول الفراق ده مستحيل، وكل دمعة على الخدين كانت بتسيل.

مليانة بأمل إن احنا نبقى موجودين، في بحر الحب على الشطين.

غنَّى الأراجوز، وبكى أنه يرى بلده لأول مرة، ويرى الدنيا، ويُفكِّر إنْ كان حبيب القلب سيكون حوله أو ومعه، وأنه لا يريد أن يغترب عن هذه الدنيا الحلوة، وسيفعل أي شيء ليراها جيدًا بعينيه وقلبه.

الأراجوز: الدنيا حلوة أوي يا أسطا.

لم يعلق الأسطا، الذي عاش طيلة حياته يتحرك على كل شارع، يحمل السياح والخواجات، ويحمل أهل المكان، وأهل البلدات البعيدة، اعتاد أن يبكي البعض أمامه من الشوق بعد غربة طويلة، لكن غُربة الأراجوز كانت خلف الشباك، خلف نافذة يوصدها عمي رجب كلما راح للمقهى في الزقاق، أو غاب طويلًا ليقدم واجب العزاء أو ليحضر فرحًا لأحد الأقرباء.

لكنه صنع الحرمان للأراجوز الصغير، الذي عانى في صغره كثيرًا وأراد الانطلاق حالما يصبح أراجوزًا شاب، يتحرك بخفة، ومهارة وجسارة أمام الحياة المتبدلة في مفاهميها.

وهل جُن جنون عمي رجب؟ حين وجد أن الشقة خالية من الأراجوز، أين ذهب الصغير؟ أين راح، ومن لعب بمخه، وقلب عقله، لا بُد أنه شكشك الدمية القديمة، المتهالكة بشعره الكث، ورائحته الكريهة، وقرر عمي رجب أن يُخفيه عن الناس لأنه لا يحب أن يستحم، يريد أن يعيش متسخًا بخيوطه، وعقله القطني المليء بالأفكار المجنونة.

وهنا سأل عمي رجب شكشك حين رأى عينيه الصغيرتين، تظهران من أسفل الكنبة، بلمعة غريبة.

عمي رجب: وَقْعِتَك سودا يا شكشك، فين الأراجوز؟

شكشك: مش عارف، والنبي يا عمي رجب، ما تعاقبنيش.

ده أنا بخاف من الموت، بخاف من الموت!

نهارك أسود، وليلك أحلك ما يكون، لترسل الصغير للدنيا، كيف سيعود؟ ليس له عنوان، ليس له أي إنسان يعرفه، لقد تمرَّد، لقد فعلها الأراجوز، غاب ورحل وإلى أين وصل؟ من يدري؟!

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z