أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي **
يمُر الاقتصاد العُماني حاليًا بمرحلة لم تعد فيها أسعار النفط تمثل المشكلة الأساسية، ولا الضرائب على الوقود أو غيرها من القضايا المرتبطة به؛ إذ إن جوهر التحدي الحقيقي يكمُن في إعادة هيكلة الثقافة الاقتصادية النمطية التي تدعم وتُكرِّس "الريعية"، ولا يمكن التحرر من هذه القيود إلّا من خلال التحوُّل إلى مجتمع حديث ومستقبلي يستند في قوته إلى خلق القيمة، والأهم من ذلك إدارتها بكفاءة.
ولم يعد الخيار قائمًا حول ما إذا كان ينبغي التحول أم لا؛ ففي ظل التغيرات العالمية المتسارعة، وتصاعد قوة العلم والتكنولوجيا، والتحديات البيئية القاسية التي نواجهها جميعًا، أصبح هذا التحول ضرورة استراتيجية لمواكبة العصر.
لقد تمتعت سلطنة عُمان لفترة طويلة باستقرار اقتصادي قائم على عائدات النفط، إلّا أن استمرار الاعتماد على مورد واحد يَحدُّ من آفاق التنمية؛ إذ إن الاعتماد على مصدر واحد يؤدي حتمًا إلى التقلبات والانكماش. ومن ثم، أصبح من الضروري تبنِّي نموذج اقتصادي جديد يتجاوز الأنماط التقليدية الجامدة التي تُعيق التغيير. ويُعد علم إدارة الأعمال محور هذا التحول، ليس فقط كأداة للحوكمة المؤسسية؛ بل كآلية لإعادة تصميم الهياكل الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية.
والتوجه نحو اقتصاد القيمة يتطلب من المؤسسات العُمانية إعادة النظر في نماذج أعمالها؛ فبدلًا من طرح السؤال: "ماذا نملك؟" ينبغي أن يكون السؤال: "كيف ندير ما نملك؟"؛ ففي الاقتصاد الحديث، تُقاس القيمة بالكفاءة، ولم يعد حجم الموارد هو العامل الحاسم؛ بل القدرة على توظيف التكنولوجيا والعلم لتعظيم المخرجات والاستفادة المثلى من المدخلات. ومن هذا المنطلق، تصبح الإدارة الرشيدة للموارد -وخاصة البيئية- ركيزة أساسية لتحقيق ميزة تنافسية مستدامة.
وتتمتع عُمان ببيئة طبيعية فريدة تمثل عامل جذب استثماري مهم؛ إذ لا تقتصر على كونها إطارًا للنشاط الاقتصادي؛ بل تعد موردًا اقتصاديًا بحد ذاته. وتنوعها الطبيعي -من جبال وصحاري وسواحل- يفتح آفاقًا واسعة للسياحة البيئية، كما أن توفر مصادر الطاقة الشمسية والرياح يعزز فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الاقتصاد الدائري كنموذج حديث يُعيد تدوير الموارد ويُقلِّل من الهدر؛ مما يُعزِّز كفاءة الاستخدام ويخفف الضغط البيئي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمُن في توافر الفرص؛ بل في القدرة على إدارتها بكفاءة وفعالية؛ فكثير من المبادرات الاقتصادية قد تفشل ليس بسبب نقص الموارد، وإنما بسبب غياب رؤية إدارية متكاملة تربط بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية ضمن إطار استراتيجي واضح. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة لإعداد جيل جديد من القيادات الإدارية القادرة على اتخاذ قرارات قائمة على البيانات، ومتوازنة مع متطلبات الاستدامة البيئية والربحية.
نماذج عالمية للإدارة الذكية.. دروس مستفادة لعُمان
يمكن تسريع عملية التحول من خلال الاستفادة من التجارب الدولية التي نجحت في الانتقال إلى اقتصاد قائم على القيمة المضافة بفضل تطبيق نماذج متقدمة للإدارة الذكية، ومنها:
- نموذج سنغافورة في الحوكمة الرشيقة؛ حيث نجحت سنغافورة في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة رغم محدودية مواردها الطبيعية، من خلال التركيز على الحوكمة الفعّالة، والتخطيط طويل الأجل، والاستثمار في رأس المال البشري. ويمكن لعُمان الاستفادة من هذا النموذج في تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال.
- النموذج الألماني للكفاءة الصناعية (الصناعة 4.0): اعتمدت ألمانيا على دمج التكنولوجيا في العمليات الإنتاجية باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لرفع الإنتاجية وتقليل الهدر. ويمكن للمناطق الصناعية العُمانية الاستفادة من هذا النموذج لتعزيز القيمة المضافة.
- نموذج دولة الإمارات في التنويع الاقتصادي: نجحت الإمارات في تقليل الاعتماد على النفط من خلال الاستثمار في السياحة والطيران والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي، مع التركيز على القيادة الاستراتيجية والمرونة التنظيمية لجذب الاستثمارات.
- النموذج الدنماركي للاقتصاد الأخضر: تُعد الدنمارك من الدول الرائدة في استخدام الطاقة المتجددة وتطبيق الاقتصاد الدائري، مما يحقق توازنًا بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. ويمكن لعُمان الاستفادة من هذا النموذج في تطوير طاقة نظيفة ومستدامة.
- نماذج الشركات العالمية في الإدارة الرشيقة: طبّقت شركات مثل "تويوتا" اليابانية منهج "الإدارة الرشيقة" لتقليل الفاقد وتحسين الأداء، بينما اعتمدت "أمازون" الأمريكية على الإدارة القائمة على البيانات لتطوير تجربة العملاء. ويمكن للمؤسسات العُمانية الاستفادة من هذه النماذج لتعزيز الكفاءة التشغيلية.
ولا يعني تطبيق هذه النماذج نسخها بشكل حرفي؛ بل تكييفها بما يتناسب مع الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية لعُمان، وهو ما يتطلب قيادة إدارية واعية قادرة على التعلم والتطبيق والابتكار. كما يتطلب هذا التحول إعادة تعريف العلاقة بين القطاعين العام والخاص، بحيث لا يقتصر دور الدولة على التنظيم والدعم؛ بل يمتد إلى تهيئة بيئة مُحفِّزة لريادة الأعمال، خاصة في مجالات الاقتصاد الأخضر، في حين ينبغي على القطاع الخاص أن يتحول من متلقٍ إلى مبادر.
ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الأكاديمية في دعم هذا التحول، من خلال إعداد كوادر بشرية تمتلك التفكير الإداري والقدرة على الابتكار، مع وعي بالعلاقة التفاعلية بين المجتمع والبيئة.
لقد أصبحت المعرفة المورد الأكثر أهمية في العصر الحديث، ومن يمتلك القدرة على إدارتها بكفاءة يمتلك مفاتيح التميز والتنافسية.
وتتوافق رؤية "عُمان 2040" مع هذا التوجُّه؛ حيث تُركِّز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، وتحقيق الاستدامة البيئية. ويُعد التحول إلى اقتصاد معرفي مُبتكر هو المسار الأمثل لتحقيق هذه الأهداف.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تمتلك المؤسسات القدرة الحقيقية على إدارة هذا التحول بكفاءة؟ أم لا تزال أسيرة نماذج تقليدية لم تعد صالحة للعصر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل المؤسسات؛ بل سترسم ملامح الاقتصاد العُماني لعقود قادمة.
إنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك الموارد؛ بل في حسن إدارتها؛ فالإدارة الفعّالة قادرة على تحويل الموارد المحدودة إلى فرص مُستدامة، وعلى إعادة تشكيل الاقتصاد والبيئة بشكل أكثر توازنًا واستدامة. ومن هنا، فإنَّ بناء مستقبل عُمان يجب أن يقوم على المعرفة والإبداع، لا على الرِيع والاستهلاك.
** أستاذ إدارة الأعمال بجامعة البريمي وجامعة بورسعيد المصرية
