أمريكا وإيران: من يرمش أولًا؟

 

 

د. محمد جعفر **

 

في صراعات القوى العظمى والإقليمية، غالبًا ما تُختصر المشهدية في "لعبة الحافة" (Brinkmanship)؛ وهي الحالة التي يدفع فيها كل طرف خصمه إلى أقصى حدود الاحتمال، مراهنًا على أن الآخر سيتراجع (أو يَرمِش) في اللحظة الأخيرة لتجنُّب الانفجار الشامل.

ومنذ عقود، تُقدِّم العلاقة بين واشنطن وطهران النموذج الأكثر تعقيدًا لهذه اللعبة؛ إذ يُعد السؤال التقليدي "من الذي رمش أولًا؟" تبسيطًا ممتعًا لصراع معقد. ففي الأحداث الجارية، لم يعد الصراع بين واشنطن وطهران مجرد "مبارزة ثنائية"؛ بل تحول إلى "شطرنج خماسي الأبعاد" تؤدي فيه بكين وموسكو أدوارًا حاسمة في تثبيت الجفون ومنع الرَمْش، بينما تسعى أمريكا لتركيع إيران عبر نسف النظام وإيجاد نظام أكثر اتساقًا مع مصالحها في الشرق الأوسط من جهة، ولإزالة أي تهديد قد يواجه إسرائيل في المستقبل من جهة أخرى.

 

1. عقيدة "الصبر الاستراتيجي" مقابل "الضغط الأقصى"

لطالما اعتمدت واشنطن -خاصة في الإدارات الجمهورية- على استراتيجية "الضغط الأقصى" لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية. في المقابل، طوّرت إيران عقيدة "الصبر الاستراتيجي" و"المقاومة النشطة"، وهي سياسة تعتمد على استنزاف الخصم عبر أذرُع إقليمية وتحريك ملف التخصيب النووي كلما اشتد الخناق الاقتصادي.

 

2. مَن الذي تراجع في المنعطفات الكبرى؟

عند استعراض المحطات التاريخية، نجد أن مفهوم "الرَّمش" نسبي:

- في الاتفاق النووي (2015): يرى البعض أن واشنطن هي التي رمشت أولًا عبر قبولها ببرنامج تخصيب إيراني "محدود" بدلًا من تفكيكه بالكامل.

- في الانسحاب من الاتفاق (2018): اعتبرت طهران أن ترامب هو من رمش عبر الخروج من التزام دولي، بينما اعتبرت واشنطن أن إيران هي التي سترمش تحت وطأة العقوبات.

- في أحداث 2024-2026: مع تصاعد التوترات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، تداخلت الأوراق. فبينما عززت أمريكا وجودها العسكري، استمرت إيران في المناورة عبر "الغموض الاستراتيجي".

 

3. حسابات الربح والخسارة

الحقيقة المُرَّة هي أن الطرفين تعلَّما كيف "يرمشان بنصف عين". واشنطن تُدرك أن تكلفة الحرب الشاملة باهظة سياسيًا واقتصاديًا، وطهران تدرك أن الانهيار الاقتصادي الداخلي هو التهديد الوجودي الأكبر. لذا، غالبًا ما يتم التوصل إلى "تفاهمات تحت الطاولة" أو "تهدئة مؤقتة" تُصور لكل جمهور محلي على أنها انتصار.

 

4. هل انتهت اللعبة؟

في الأحداث الجارية وخلال عام 2026، مع تغيُّر الموازين الدولية وظهور قوى مثل الصين كلاعب وسيط، لم يعد السؤال "من سيرمش أولًا؟" بل أصبح: "من يستطيع الصمود لفترة أطول دون أن يفقد توازنه؟".

في التحليل الأخير يمكن أن نقول: في صراع أمريكا وإيران، لا يوجد طرف يرمش بالمعنى التقليدي للهزيمة. بدلًا من ذلك، نحن أمام عملية "إعادة ضبط" مستمرة لموازين القوى؛ حيث يسعى كل طرف لتحويل تراجعه التكتيكي إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد.

 

ما هي سيناريوهات المرحلة المقبلة؟

بناءً على المعطيات الراهنة ومن خلال الأحداث الراهنة وتاريخ الصراع الطويل بين "العقوبات" و"التخصيب"، يمكننا استشراف 3 سيناريوهات مستقبلية للعلاقة بين واشنطن وطهران، تتراوح بين "الرمشة الكبرى" وبين استمرار التحديق المتوتر:

 

1. سيناريو "الصفقة الكبرى" (The Grand Bargain)

في هذا السيناريو، يرمش الطرفان معًا تحت ضغوط داخلية وخارجية هائلة.

المحرك: أمريكيًا: حاجة واشنطن للتفرغ للصراع مع الصين خارجيًا، وعدم رغبة ترامب في خسارة انتخابات الكونجرس وفقدان الأغلبية.

إيرانيًا: حاجة طهران لرفع العقوبات لتجنب انفجار داخلي نتيجة الأزمات الاقتصادية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المقدرات الاقتصادية والبنية والتحتية المدنية والعسكرية ومصادر الطاقة.

النتيجة: الوصول إلى اتفاق "نووي-إقليمي" شامل. تقبل إيران بحدود صارمة على برنامجها النووي والصاروخي مقابل اعتراف أمريكي كامل بشرعيتها الإقليمية ورفع شامل للعقوبات وتعهدات بعدم استهداف دول الجوار.

من رمش أولًا؟ الطرفان، لكن التاريخ سيذكرها كـ"تسوية واقعية" (Realpolitik).

 

2. سيناريو "الانفجار المُدَار" (Controlled Escalation)

هنا يرفض الطرفان الرَمش، مما يؤدي إلى اصطدام مباشر مُدار الى حد كبير، وهو ما يحدث الآن ويمكن أن يتوسع.

المحرك: اتهام إيران بالوصول إلى "حافة القنبلة" (90 % تخصيب) والوقوف وراء الهجمات السيبرانية التي يمكن أن تعطل منشآت حيوية في الولايات المتحدة أو لدى حلفائها.

النتيجة: ضربات جراحية أمريكية لمنشآت نووية، تقابلها إيران بإغلاق مضيق هرمز وتحريك أذرعها في المنطقة. هذا السيناريو لا ينتهي بحرب شاملة، بل بـ"هدنة قسرية" تفرضها القوى الدولية (الصين وروسيا) لإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف بعد أن يختبر كل منهما ما لدى الآخر وخطوطه الحمراء.

من رمش أولًا؟ الطرف الذي يطلب وقف إطلاق النار أولًا نتيجة الضغط الاقتصادي أو العسكري "الوسطاء يعرفون".

 

3. سيناريو "اللاحرب واللاسلم" (No War, No Peace)

وهو وقف إطلاق النار دون اتفاق والعودة إلى ما قبل الحرب تحت عنوان "خفض التصعيد" مقابل فتح مضيق هرمز والاكتفاء بما تم إنجازه على اعتبار أن:

- أمريكا وإسرائيل أعادتا إيران عقودًا إلى الوراء وعلى الأجيال القادمة إعادة الكرَّة كلما استدعى الأمر تدخلًا جراحيًا.

- كما أن إيران لن تخرج خاسرة أيضًا؛ فهي حققت "معادلة ردع" جديدة ويمكن استخلاص الدروس من هذه الجولة والخروج دول الالتزام بشيء ما.

المحرك: قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات عبر العملات الرقمية والتحالف مع الشرق، مقابل اكتفاء واشنطن بسياسة الاحتواء دون تصادم في المدى المنظور.

النتيجة: تحول الصراع إلى "حرب باردة رقمية وسباق تسلح". وهجمات سيبرانية متبادلة، وصراعات في الفضاء الإلكتروني، واستنزاف متبادل في ساحات بديلة (لبنان، اليمن، العراق) دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة جديدة.

من رمش أولًا؟ لا أحد. تستمر اللعبة لعقود أخرى حتى يحدث تغيير جذري في بنية النظام السياسي لأحد الطرفين.

 

أدوار اللاعبين الإقليمين:

الدور الصيني: يمكن لبكين أن تكون "ضابط الإيقاع" الذي يمنع أو يدفع أحد الطرفين للرمش:

الدور الصيني: "الوسيط النفعي" في صراع الكبار؛ إذ لم تعد الصين مجرد مستورد للنفط الإيراني، بل أصبحت لاعبًا جيوسياسيًا يمتلك مفاتيح التأثير على "صناعة القرار" في طهران، وقدرة على "استفزاز" واشنطن في ملفات حساسة.

1. الصين كـ"رئة تنفس" لإيران (إفشال الرمشة الاقتصادية)

تعتمد استراتيجية "الضغط الأقصى" الأمريكية على إيصال إيران لنقطة الانهيار لترمش أولًا. هنا يأتي الدور الصيني: اتفاقية الـ25 عامًا: الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة الإيرانية توفر "شبكة أمان" تمنع انهيار النظام الاقتصادي الإيراني.

الالتفاف الرقمي: استخدام اليوان الرقمي وأنظمة الدفع البديلة (CIPS) بدلًا من "سويفت" يجعل العقوبات الأمريكية أقل فتكًا، مما يُطيل أمد "الصبر الاستراتيجي" الإيراني.

 

2. الصين كـ"ميزان حرارة" لواشنطن

بكين تستخدم الورقة الإيرانية للمُقايضة في ملفات أخرى (تايوان، بحر الصين الجنوبي، الحرب التجارية). والسيناريو الإيجابي أنه قد تضغط الصين على طهران للعودة لاتفاق نووي "مُخفَّف" مقابل تنازلات أمريكية في ملف التكنولوجيا أو التعريفات الجمركية. هنا تلعب الصين دور "صانع السلام".

أما السيناريو السلبي؛ ففي ظل تصاعد التوتر الحالي في شرق آسيا، قد تُشجِّع الصين إيران على التصعيد في الشرق الأوسط لإشغال القدرات العسكرية الأمريكية واستنزاف مواردها بعيدًا عن المحيط الهادئ.

 

3. منظمة شنغهاي وبريكس: "النادي البديل"

انضمام إيران لهذه التكتلات تحت المظلة الصينية والروسية يعزز شعور طهران بأنها ليست معزولة. هذا يقلل من احتمالية "الرمش الإيراني" لأن البديل عن الغرب أصبح موجودًا وملموسًا في "الشرق".

في التحليل الأخير: "الذي يرمش أخيرًا.. هو من يملك البدائل". وفي لعبة "من يرمش أولًا"، كانت واشنطن وطهران وحدهما في الحلبة. اليوم، وجود الصين خلف ظهر إيران، وحاجة واشنطن لتجنب صراعين في وقت واحد، جعل الحلبة مزدحمة. الصين لا تريد لأي طرف أن ينتصر بالضربة القاضية؛ هي تريد بقاء "التوتر المُدار" الذي يخدم تمدُّدها الهادئ.

 

الدور الروسي

دور روسيا الاتحادية في صراع "من يرمش أولًا" يأخذ أبعادًا أكثر خطورة؛ حيث انتقلت موسكو من خانة "الحليف السياسي" إلى "الشريك العسكري الميداني"؛ مما غيَّر قواعد الاشتباك بشكل جذري.

لكن كيف تسهم روسيا في منع طهران من "الرمش" أمام الضغوط الغربية؟ الدور الروسي هو "المحفز العسكري" والغطاء الاستخباراتي. وبحلول مارس 2026، كشفت التقارير الاستخباراتية والميدانية أن التعاون الروسي-الإيراني تجاوز صفقات السلاح التقليدية ليصل إلى مستوى "الدمج العملياتي"، كما يلي:

 

1. الاستخبارات الفضائية: "عين طهران" في السماء

أكبر تحول في الأحداث الجارية هو تزويد روسيا لإيران بصور أقمار صناعية عالية الدقة ومعلومات استخباراتية لحظية.

الهدف: رصد تحركات السفن والطائرات الأمريكية في الخليج العربي وقاعدة "العديد" القطرية وغيرها.

الأثر: مكَّنت هذه المعلومات إيران من توجيه ضربات دقيقة لأنظمة الرادار الأمريكية (كما حدث في الأردن والبحرين والإمارات والكويت مؤخرًا)، مما جعل التهديد الإيراني "ذكيًا" وليس مجرد كمِّي.

 

2. كسر التفوق الجوي: "إس-400" و"سو-35"

لطالما راهنت واشنطن على تفوقها الجوي (عبر مقاتلات F-35) لإجبار إيران على التراجع. لكن في عام 2025/2026، تغيرت المعادلة؛ إذ بدأت إيران تشغيل منظومة بطاريات "إس-400" الروسية؛ مما خلق "مظلة دفاعية" مُعقَّدة تجعل أي ضربة جوية أمريكية أو إسرائيلية باهظة التكاليف. إلى جانب مقاتلات "Su-35" الروسية؛ فمع بدء وصول الدفعات الأولى من مقاتلات "سوخوي-35" الروسية، بدأت القوات الجوية الإيرانية (التي كانت متهالكة) في امتلاك قدرة على الاعتراض الجوي المناور، مما قلل من فجوة الردع.

 

3. "مبدأ المعاملة بالمثل": أوكرانيا مقابل الشرق الأوسط

يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن دعم إيران هو "رد دين" لواشنطن بسبب دعمها لأوكرانيا؛ حيث تستخدم روسيا خبرتها المكتسبة من طائرات "شاهد" في أوكرانيا لتقوم بـ"هندسة عكسية" وتطوير نسخ أكثر فتكًا ومقاوَمةً للتشويش الإلكتروني وتسليمها لطهران. وهذا يخلق دورة من "الابتكار العسكري المشترك" تجعل الطرفين أكثر صمودًا أمام التكنولوجيا الغربية.

 

هل ستدفع روسيا إيران للهاوية؟

على عكس الصين التي تُفضِّل "الهدوء" للتجارة، روسيا قد تجد مصلحة في "توتر مُستدام" في الشرق الأوسط. فكلما انشغلت أمريكا بإيران، قلَّ تركيزها على الجبهة الأوكرانية. لذا، روسيا لا تكتفي بمنع إيران من الرمش؛ بل تمدها بـ"نظارات رؤية ليلية" لتُحدِّق في وجه واشنطن بكل ثقة.

ملاحظة تاريخية من واقع 2026: شهد شهر مارس الجاري أول اتصال علني رفيع المستوى بين بوتين والرئاسة الإيرانية لبحث "التعاون الاستخباراتي الاستثنائي"؛ مما يشير إلى أن التحالف انتقل لمرحلة "وحدة المصير".

** كاتب وباحث استراتيجي مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z