محمد بن علي بن ضعين البادي
من سحيقِ الأزل، ومن مَكمنِ الضياءِ في شرقِ الجزيرة، لم تكن عُمان مجردَ سطرٍ في كتاب، بل كانت هي "الكتاب" الذي تهجّت فيه الأممُ أبجديةَ البحرِ وفلسفةَ البقاء. إنها الدولةُ التي لم تستعر هويتَها من ضجيجِ اللحظة، ولم تستجدِ مكانتَها من عابرِ الظروف، بل نحتت كينونتَها في صمّ الصخر، حتى غدا ثباتُها قدرًا، وحكمتُها نبوءةً تمشي بين الناس.
حين كانت خرائطُ العالمِ غائمةً، كانت السواري العُمانيةُ تشقُّ عبابَ المجهول القلوبَ بنورِ الرسالةِ ووقارِ الصمتِ المهيب. إنها عُمان؛ طودٌ راسخٌ في مهبّ التِيه، وسيادةٌ لا تُساوَم، وعراقةٌ تجعلُ من كلِّ موقفٍ تاريخًا، ومن كلِّ صمتٍ حكمةً تهزُّ أركانَ الحاضر وتستشرفُ ملامحَ الخلود.
لم تكن هذه الأرض يومًا وليدة لحظة عابرة في مسرح التاريخ، بل هي الكيان الذي تخلّق من رحم الزمن، وصاغ هويته السياسية بمداد الحكمة قبل أن تنطق الخرائط بأسماء الدول، وفي اللحظات التي كانت فيها أممٌ كثيرة ترزح تحت وطأة التشكّل، كانت مسقط تشرع أشرعتها نحو الآفاق، لترسي مدرسةً في الدبلوماسية لا تقوى تقلبات الدهر على زعزعة أركانها. وإنّ في استنطاق التاريخ الأمريكي المبكر لشهادةً على هذا نبل العُماني؛ فبينما كان العالم الجديد يخطو أولى خطواته نحو الاستقلال، كانت عُمان تمد يد الندّ للندّ برؤيةٍ سبقت عصرها بقرون، فحين مخرت السفينة "سلطانة" عباب المحيط نحو نيويورك عام 1840م بتوجيه من السلطان السيد سعيد بن سلطان، لم تكن مجرد ناقلة بضائع، بل كانت "سفارةً عائمة" تحمل فكر دولةٍ تدرك أن مصير الشعوب معقودٌ بحبال التواصل لا بحروب الانعزال، وهو تجلٍ أصيل لعقيدةٍ سياسية تؤمن بأن النفوذ الحقيقي يُبنى على جسور الثقة المتبادلة، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على صياغة التوازن وسط عالمٍ يموج بالصراعات.
ويتجلّى العمقُ الاستراتيجي لعُمان في اضطلاعها بدورِ "المُهندسِ الخفي" للسلام، وكونها واحةً للوساطةِ الصادقة في عالمٍ تتقاذفه أمواجُ الصراعاتِ العاتية. إنّ الدبلوماسيةَ العُمانية لا تمارسُ الوساطةَ كبروتوكولٍ عابر؛ بل كرسالةٍ وجوديةٍ تقومُ على كسبِ الثقةِ وصيانةِ العهود، حيث غدت مسقطُ الملاذَ الآمنَ الذي تلتقي فيه المتناقضات، والمنصةَ الرصينةَ التي تُذوّبُ فيها جليدَ الخصوماتِ بعيدًا عن أضواءِ الاستعراضِ وضجيجِ الإعلام.
وبفضلِ هذا النهجِ المتزن، نجحت عُمان في فتحِ مغاليقِ الأزماتِ المستعصية، مُثبتةً للعالمِ أنّ قمةَ القوةِ تكمنُ في القدرةِ على بناءِ التوافقات، وأنّ صوتَ العقلِ العُمانيَّ قادرٌ على اختراقِ جدرانِ الصمتِ ليرسمَ ملامحَ الاستقرارِ في المنطقةِ والعالم، لتظلَّ عُمان دومًا حلقةَ الوصلِ التي لا تنقطع، والوسيطَ الذي يأتمنه الجميعُ على مستقبلِ السِلمِ الدولي.
إنّ ما يراه البعض في السياسة العُمانية "هدوءًا" هو في جوهره "رسوخ الجبال"، وما يظنه المتشائمون "حيادًا" هو في حقيقته "استقلالٌ سيادي" يأبى الارتهان لضجيج المحاور أو الانجراف خلف بريق المصالح الآنية، فعُمان لا تُبنى مواقفها بردود الأفعال، بل هي "فعلٌ واعي" يستمد شرعيته من رؤيةٍ استراتيجية بعيدة المدى، تؤمن بأن هدم الجسور سهلٌ يسير، أما بناؤها فيتطلب نفسًا طويلًا وحكمةً لا يملكها إلا من سكن التاريخ وجدانه. ولعل ما تجسده مواقف ورؤى معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي وزير الخارجية هو الامتداد الطبيعي لهذا النهج الذي لا يحيد، والذي يثبت للعالم يومًا بعد يوم أن الثبات على المبدأ هو أقصر الطرق نحو الاحترام الدولي، مهما تلاطمت أمواج السياسة وتغيرت موازين القوى.
أما أولئك الذين يضيقون ذرعًا بهذا التوازن العُماني، ويسارعون باللوم عند كل منعطف، فإنهم يجهلون أن الحكمة في عرف الدول الكبرى ليست ترددًا، بل هي "صمت العارف" الذي يدرك متى يتكلم وكيف يزن الكلمات بميزان الذهب، لقد اعتاد العالم على ضجيج المواقف الزائفة، فصار يستغرب عمق السكون العُماني، غافلًا عن أن العواصف تمر وتبقى الجبال راسية، وإن ما يصفه المنتقدون بالانعزال هو في الحقيقة "ترفعٌ عن الصغائر"، وما يحسبونه غيابًا هو حضورٌ طاغٍ في كواليس الحلول، حيث تُصنع السياسة الحقيقية بعيدًا عن أضواء الاستعراض.
وعلى الرغمِ من تقلباتِ الزمانِ التي عصفت بالأمم، وتبدّلِ الظروفِ التي غيّرت ملامحَ القوى والتحالفات، بقيت عُمان عصيّةً على الانكسارِ أمامَ موجِ المتغيرات، فلم تكن سياستُها يومًا رهينةً لظرفٍ طارئ أو نتاجًا لضغوطٍ عابرة. إنّ المتأملَ في تاريخِها يدركُ بوضوح أن الخطَّ العُمانيَّ لم ينحنِ أمام العواصف، بل كان يزدادُ رسوخًا كلما اشتدّ الصراعُ من حوله؛ فهي لم تبدل ثوابتها طمعًا في مغنم، ولم تغير نهجَها خوفًا من مَغرم، بل ظلت متمسكةً بزمامِ قرارِها السيادي، مؤمنةً بأن الدول العظيمة هي التي تصنعُ طريقَها بملءِ إرادتها، لا التي تملي عليها الظروفُ وجهتَها. هذا الصمودُ السياسيُّ ليس مجردَ استمرارٍ زمني، بل هو عقيدةٌ راسخة جعلت من عُمان مرسىً للأمان في بحرِ الاضطراب، وشاهدًا حيًا على أن المبادئ الأصيلة لا تشيخ، وأن السياسةَ الحقة هي التي تشرقُ من ثباتِ الجذور لا من لمعانِ السراب.
إنَّ المتأمّلَ في مسيرةِ عُمان، يدركُ يقينًا أنها لم تكن يومًا مجردَ جغرافيا عابرة، بل هي "عقيدةٌ سياسية" ورسالةٌ حضاريةٌ عابرةٌ للأزمان؛ ففي عالمٍ تتقاذفُه العواصفُ وتتبدلُ فيه الولاءاتُ تحت وطأةِ المصالح، تبرزُ عُمان كبوصلةٍ أخلاقيةٍ ثابتة، لا تلتفتُ لضجيجِ الحاضرِ بقدرِ ما تنظرُ لخلودِ الأثر. إنَّ هذهِ الاستقلاليةَ التي نراها اليوم هي الضمانةُ الوحيدةُ لمستقبلٍ تظلُّ فيهِ عُمان منارةً للعقلِ وملاذًا للحوار، فهي لا تستمدُّ قوتَها من كثرةِ الحلفاءِ؛ بل من صدقِ المواقف، ولا من ضخامةِ الجيوشِ؛ بل من رصانةِ الفكر.
هكذا، ستمضي عُمان في طريقِها الواثقِ، طودًا راسخًا في قلبِ العاصفة، وشاهدًا حيًا على أنَّ الحكمةَ هي العملةُ الوحيدةُ التي لا تنضب، وأنَّ الشعوبَ التي تعانقُ التاريخَ بصدقٍ، هي وحدها التي تملكُ مفاتيحَ المستقبل. إنها عُمان؛ كانت، وستبقى، "صوتَ الحقِّ" الذي لا يخبو، و"جسرَ السلامِ" الذي لا ينكسر، في رحلةٍ ممتدةٍ من المجد، لا تحدُّها حدود، ولا تثنيها عوائق، تدرك يقينًا أن الحكمة ليست في كثرة الحضور، بل في خلود الأثر وعظمة الموقف.
