محمد بن علي البادي
ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد سحابة تصعيدٍ عابرة، بل هو اندفاعٌ انتحاري نحو هاويةٍ سُحقت تحت أقدامها كل قواعد الحكمة؛ اندفاعٌ يفتح أبواب الجحيم بلا استراتيجية للخروج، ولا خطة للنجاة. وهنا تتجلى الحقيقة في عريها الصادم الذي يخشى الكثيرون النطق به: إن المشهد الراهن لم يورط واشنطن وحدها في وحل معركة بلا أفق، بل وضع الحلفاء جميعًا تحت مقصلة مقامرة كبرى؛ حيث تُسلم مقادير الشعوب لمن يخلط بين "السيادة" و"المجازفة"، وبين "الدولة" و"طاولة القمار".
لقد استوقفني حديثُ أحد المتحدثين لنموذج دونالد ترامب، وهو يسبغ عليه ألقابًا براقة مثل "صاحب القرار" و"الجريء" و"الرجل القوي" الذي لا ينكسر. وحسب زعم هذا المحلل، فإن هذه الكاريزما هي مفتاح العظمة، لكنني أرى بوضوحٍ لا يقبل الشك أن كل هذه الصفات هي نصلٌ مسموم يرتد إلى صدر صاحبه وإلى صدر العالم معه. فالجرأة حين تجرد من العقل تصبح تهورًا أعمى، والقوة حين تخلو من الحكمة تتحول إلى معول هدمٍ وتخريب. إن الشخصية التي لا تروّضها بصيرة الاستراتيجية تظل أسيرةً لنزوات "الأنا" المتضخمة، مما يقود حتمًا إلى هذا المستنقع؛ حيث فُتحت أبواب المواجهة مع إيران لا لغاية الحسم، بل رغبةً في الاستعراض السطحي الذي لا يبالي باحتراق المنطقة بأكملها.
لكن السؤال الذي يصفع وجه هذا الغرور: ماذا لو قرر الخصم قلب الطاولة؟ وماذا لو استحال الفعلُ شلالًا من ردود الأفعال التي لا تملك أكبر القوى في الأرض لجامها؟ هنا تنكشف الخديعة التاريخية؛ حيث تتحول مضائق الخليج وشواطئ المتوسط إلى ساحات تصفية حساباتٍ عدمية، ويجد الحلفاء أنفسهم مجرد "قرابين" في محرك حربٍ لم يختاروا إشعالها، بل حُكم عليهم بخوض لظاها. لقد وُضعوا أمام "أمرٍ واقع" مهين، ارتهنت فيه دماء شعوبهم وعصب اقتصادياتهم لقرارٍ فردي لا يرى أبعد من حدود اللحظة.
إنَّنا أمام حالة "توريطٍ قسري" لا تسترها أوراق "الشراكة" الزائفة؛ فالفارس الحقيقي هو من يتقاسم المسؤولية والقرار، لا من يجرُّ حلفاءه إلى الذبح في معارك مجهولة الغايات. هل هي حرب ردع، أم تدمير، أم استنزافٌ يمتص ثرواتنا ويتركنا على الأنقاض؟ إن غياب الهدف يجعل هذه الحرب فوضى "عَبثية" تلتهم الجميع، بينما تكتشف "القوة العظمى" أنها هي الأخرى مهددة من الداخل بزلزال اقتصادي وانقسام مجتمعي يهدد كينونتها، ليتحول "استعراض العضلات" إلى عبءٍ يقوض أركان البيت الأبيض نفسه.
ومع ذلك، تظل الحقيقة المرة أن الضحية الأولى هي العواصم التي وجدت نفسها بالقرب من "فوّهة البركان"؛ تلك الدول التي لم تكن شريكة في الزناد، لكنها ستكون أول من يتلقى الرصاصة. إنها قسوة السياسة حين يقرر القابع في برجه العاجي خلف المحيطات إحراق الغابة، غير مبالٍ بمن يسكنها. وفي ذروة هذا التيه، يغيب السؤال الوجودي: من سيطفئ هذا الحريق؟ فالإشعال فعلٌ يحتاج لجهل، أما الإطفاء فيحتاج لحكمة غابت تمامًا عن المشهد.
أما اليوم، فنحن أمام "صحوة حلفاء" متأخرة لكنها كاشفة؛ فبينما يوزع ترامب صكوك "الجبن" على قادة أوروبا العاجزين عن اللحاق بجنون حربه، وبينما تتحرك العواصم الإقليمية لتطويق النيران بمسارات دبلوماسية شجاعة، ينكشف المشهد عن تصدعٍ تاريخي في جدار الهيمنة. لقد أدرك الحلفاء -بعد أن وصلت الشظايا إلى عقر دارهم- أن الارتهان لعقلية "المقامر" هو انتحارٌ جماعي، وأن الصمت على إشعال الفتيل لا يعني النجاة من اللهب. هذه الصحوة، وإن كانت تحت ضغط الانفجارات وتوقف شريان "هرمز"، إلا أنها تؤكد أن العالم لم يعد يطيق دفع فواتير "الأنا" المتضخمة في واشنطن، وأن زمن "التبعية العمياء" قد سقط في أول اختبار حقيقي للسيادة والأمن القومي.
والخلاصة التي ستُحفر في ذاكرة الأجيال: إن ما أقدم عليه ترامب ليس مجرد تصعيد؛ بل هو مسارٌ انتحاري فتح بابًا للجحيم قد لا يُغلق لعقود. لقد ورط نفسه في فخٍ بلا سقف، وورط حلفاءه في صراعٍ وجودي لا يملكون مفاتيح الخروج منه إلا بكلفةٍ تفوق الخيال. وفي عالم السياسة، هناك أخطاءٌ تُصحح، وهناك حماقاتٌ تغير وجه التاريخ نحو الأسوأ.. وهذه الحرب هي الحماقة التي سيدخلها الجميع بذهول، ولن يخرج منها أحدٌ كما دخل.
