عباس الزدجالي
لا يمكن اعتبار مقال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني في صحيفة "ذي إيكونوميست" البريطانية، مجرد قراءة دبلوماسية تقليدية؛ بل هو أقرب إلى جرس إنذار يُقرع في لحظة إقليمية حرجة؛ فالرجل لا يكتفي بوصف الحرب بأنها غير مشروعة، بل يذهب أبعد حين يلمّح إلى أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تتحكم بالكامل بمسار سياستها الخارجية، وهو طرح ثقيل الدلالة، لكنه يعكس واقعًا تتكشّف ملامحه مع كل تصعيد جديد.
الحرب الجارية لا تبدو كخيار مدروس بقدر ما تبدو كمسار متدحرج، تُدفع إليه الأطراف دفعًا، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة بأسرها.

المفارقة التي يُبرزها المقال هي أن هذه الحرب لا تخدم، في جوهرها، مصالح جميع أطرافها المعلنة. فهي ليست حربًا أمريكية خالصة، ولا خيارًا إيرانيًا مفضّلًا، بل نتيجة تداخل حسابات وضغوط تدفع نحو التصعيد بدل الاحتواء. وعندما تتحول الحروب من أدوات سياسية محدودة إلى حالات فوضى ممتدة، فإنها تفقد غاياتها الأصلية وتصبح بيئة لإعادة تشكيل التوازنات على حساب الدول المستقرة. هنا تحديدًا تكمن الخطورة: أن يتحول الصراع إلى حالة مفتوحة لا تُدار بمنطق الربح والخسارة، بل بمنطق الاستنزاف العام.
أحد أكثر ما يلفت في الطرح هو توصيف أثر الحرب على الخليج؛ فالدول التي اعتمدت لعقود على الشراكات الأمنية مع القوى الكبرى تجد نفسها اليوم أمام مفارقة صعبة: تلك الشراكات قد تتحول إلى مصدر خطر بدل أن تكون مظلة حماية. فكلما تصاعد التوتر، تراجعت الثقة، وارتفعت كلفة الاستثمار، واضطربت سلاسل الإمداد، وتآكلت صورة الخليج كمركز استقرار اقتصادي. وما نشهده من اضطراب في الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة ليس إلا بداية لمسار قد يضرب صميم نماذج التنمية التي تبنتها دول المنطقة.
ورغم أن مصطلح "الفوضى الخلاقة" لم يُذكر صراحةً في المقال، إلّا أن مضمونه حاضر بقوة؛ فالتصعيد الذي يطال منشآت الطاقة ويهدد الممرات الحيوية لا يبدو كأخطاء معزولة؛ بل كجزء من مسار يوسّع دائرة الأزمة ويعمّم حالة عدم اليقين. وهذه الحالة، وإن كانت تخدم أطرافًا تسعى لإعادة رسم موازين القوى، فإنها تضرب مباشرة مصالح الخليج الذي يقوم ازدهاره على الاستقرار. وفي بيئة كهذه، يصبح الاقتصاد أول الضحايا، قبل أن تتحول المخاطر الاقتصادية إلى تحديات أمنية أشد تعقيدًا.
الحل الذي يطرحه معالي السيد وزير الخارجية العُماني، يبدو منطقيًا، وهو العودة إلى التفاوض، وربطه بإطار إقليمي أوسع يشمل الشفافية النووية وعدم الاعتداء. غير أن التحدي لا يكمن في وضوح الفكرة، بل في صعوبة تنفيذها؛ إذ إن الثقة بين الأطراف تآكلت، والانتقال من طاولة الحوار إلى ساحة القصف مرتين يجعل العودة إلى التفاوض أكثر تعقيدًا. كما أن إقناع الأطراف المستفيدة من التصعيد بالتراجع ليس أمرًا سهلًا، خصوصًا في ظل ديناميكيات دولية وإقليمية متشابكة.
لكن.. هل الخليج قادر على لعب هذا الدور؟
التجربة تقول إن الخليج قادر على التوافق حين يصبح الخطر مشتركًا، كما حدث في محطات سابقة. غير أن هذا التوافق غالبًا ما يكون مرحليًا، تحكمه الضرورة أكثر من كونه رؤية استراتيجية طويلة الأمد. ومع استمرار التباينات في السياسات والعلاقات الإقليمية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع دول الخليج الانتقال من التنسيق الظرفي إلى موقف موحد قادر على التأثير الحقيقي في مسار الأزمة؟
في نهاية المطاف، يعكس مقال معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، محاولة لرسم طريق مختلف قبل أن تُغلق الخيارات؛ فالحرب، كما يبدو، تتجه نحو توسيع نطاقها، فيما تظل فرص التهدئة قائمة لكنها تتآكل مع كل تصعيد جديد. وبين تفاؤل حذر وواقعية تفرض نفسها، تقف المنطقة أمام مفترق طرق: إما استعادة منطق الدبلوماسية، أو الانزلاق إلى مسار يدفع الجميع كلفته.
وفي عالم تتسارع فيه الأزمات، تبقى الحقيقة الأوضح أن الدبلوماسية، مهما بدت بطيئة، تظل أقل كلفة بكثير من حرب لا يعرف أحد كيف ستنتهي.
