سالم بن حمد الحجري
في أول أيام العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وتحديدًا في الثامن والعشرين من فبراير 2026، استيقظت مدينة ميناب الساحلية على واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ المعاصر؛ استهداف مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية. لم تكن هذه الجريمة مجرد "خطأ تقني" كما حاولت الماكينة الإعلامية الغربية الترويج له لاحقًا، بل كانت تجسيدًا لسياسة "القتل من أجل القتل" التي انتهجتها الإدارة الأمريكية الجديدة.
سقط في هذا الهجوم الغادر ما يقرب من 170 طفلة و14 معلمًا، في حصيلة مروعة وصفتها منظمة اليونسكو بأنها "انتهاك جسيم" للقانون الدولي. الطالبات اللواتي تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عامًا، واللاتي كانت جدران مدرستهن مزينة برسومات ملونة وساحات لعب بسيطة، تحولن في لحظة إلى أرقام في قوائم الضحايا بفعل صواريخ "توماهوك" أمريكية الصنع، ورغم محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التنصل من المسؤولية وإلقاء اللائمة على "نيران إيرانية خاطئة"، إلّا أن بقايا الصواريخ التي تحمل شعارات شركات أمريكية مثل Globe Motors وBall Aerospace وعبارة "Made in USA" كانت شاهدًا لا يكذب على هوية الجاني.
قدَّم الخبير الأمني وضابط الاستخبارات الأمريكي السابق، سكوت ريتر، وصفًا تقشعر له الأبدان للدقائق الأخيرة في مدرسة ميناب؛ حيث يكشف ريتر أن الهجوم لم يكن ضربة واحدة طائشة، بل كان عملية مراقبة وقتل ممنهج، وفقًا لريتر، أطلقت الولايات المتحدة أربعة صواريخ كروز؛ ضرب اثنان منهما مستودعات فارغة، بينما أصاب الثالث المدرسة، أما الصاروخ الرابع، فقد كان يحلق فوق الموقع لجمع البيانات وتقييم الأضرار، وهنا تكمن الذروة في الوحشية فعندما رأى المشغلون عبر الكاميرات تجمعًا للبشر- وهم الطالبات الناجيات ومعلموهن وأهاليهم الذين هرعوا لإنقاذهن- صدر الأمر للصاروخ الرابع بالهجوم.
والأنكى من ذلك، يوضح ريتر أن المهندسين العسكريين صمموا هذه الصواريخ بحيث يمكن تحويل الوقود الفائض فيها عند لحظة الاصطدام إلى سلاح حراري وبضغط زر واحدة، تحول الصاروخ إلى قنبلة فراغية أحرقت الأطفال وهم أحياء داخل مصلى المدرسة. يصف ريتر هذا المشهد بمرارة قائلًا: "لقد أحرقنا هؤلاء الأطفال أحياء.. نحن لا نعرف ماذا نستهدف، وكل ما نفعله هو قتل الناس".
تذرعت التحقيقات الأمريكية الأولية بأن القصف نتج عن "بيانات قديمة" تعود لما بين عامي 2013 و2016؛ حيث كانت المدرسة سابقًا جزءًا من مجمع عسكري تابع للحرس الثوري قبل أن يتم فصلها وبناء جدران وساحات لعب لها منذ سنوات، لكن هذا العذر يسقط أمام حقيقة أن وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، كان قد ألغى التوجيهات الخاصة بـ"تخفيف الخسائر المدنية"، واصفًا إياها بأنها إجراءات معيقة لرغبته في جعل القوات الأمريكية أكثر قوة قتالية فتاكة.
إنَّ مجزرة ميناب ليست مجرد "أضرار جانبية"؛ بل هي نتيجة مباشرة لغطرسة القوة وحرب غير قانونية ولا أخلاقية حُيّد فيها القانون الدولي والمواثيق والأعراف والمعاهدات، واعتمدت على تقنيات قتل يغيب عنها الضمير البشري، إن وصف سكوت ريتر لما حدث يضع العالم أمام مسؤولية أخلاقية؛ فالتوماهوك الذي أحرق أجساد الصغيرات في مدرسة "الشجرة الطيبة" لم يفرق بين هدف عسكري وساحة مدرسة، لأن الهدف الحقيقي كان بث الرعب، حتى لو كان ثمن ذلك حرق 170 طفلًا أحياء.
إنَّها جريمة حرب صارخة ستبقى وصمة عار في تاريخ المعتدين، وتذكيرًا بأن دماء "الملائكة الصغار" في ميناب لن تذهب سدى وستظل تلاحق القتلة ولو بعد حين.
