أحمد بن بدر الرواس **
وصلت إلى عموم المنطقة كلها تفجيرات مخازن الوقود بميناء صلالة، لتكشف عن ضرب هذا البلد الآمن المحب للسلام وصانع كل محاورة في المنطقة منذ عقود، وقد سلكت الحرب على إيران تطورًا خطيرًا في استهداف دول المنطقة، وخاصة الدول التي تأوي القواعد الأمريكية بالخليج؛ حيث يُراد بالمنطقة أن تدخل أتونًا من الصراع المظلم الذي قد يقود إلى حرب لا يُعلم نهايتها، وذلك بحكم أن المنطقة تمد الغرب الأوروبي بالغاز والبترول، ويؤثر كذلك على إمدادات الطاقة للعالم أجمع لو أضفنا لهما الصين والهند واليابان.
من هنا برزت أهمية الجغرافيا الاستراتيجية (الجيوستراتيجية) للخليج العربي، وتغافل أهلها عن هذا الموقع الحساس، ولم يضعوا في الحسبان عند اشتعال أي شرارة حرب ما هي الملاذات الآمنة التي تحمي شعوبهم أثناء الصراعات المفاجئة أو الأطماع العالمية من أجل الصراع على موارد الغاز والبترول بالخليج مستقبلًا، وما هي التداعيات عندما تتقلب الحسابات لدى القطبية الأحادية التي تتحكم بالنظام العالمي المعاصر. فتم إهمال كل هذه المخاطر عند حدوثها ومدى أثرها على مسرح العمليات أثناء الحروب، واتكأت دول المنطقة على حماية الغرب لها والولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا، فسقطت الحماية الأمريكية في أول ساعات المواجهة للحرب، وخرجت منظومات الرادارات (ثاد) وأخواتها إلى الأبد، وتم تدمير الأسطول الخامس وخروجه من الخدمة. وأصبحت دول الخليج عارية أمام العدوان الإيراني الذي استهدف هذه القواعد بكل قوة، وبالتالي فهمت إيران درس الجغرافيا للخليج بشكل خاص، واعتمدت على قواها الذاتية وعقول أبنائها في الدفاع عن نفسها في حالة تعرضها لأي استهداف خارجي من القوى الإمبريالية الغربية الطامعة في احتكار ثروات الشعوب ونهبها.
وقد أهمل كثيرٌ من دول الخليج العربي (خمسة عقود من الزمن) أهمية مضيق هرمز والموقع الجغرافي للخليج كشريان يغذي العالم، ولم تعتمد على نفسها في بناء ترسانة عسكرية دفاعية تحميها من إفرازات القطبية الأحادية، فلا أمان لها وهي تتوسع ويسيل لعابها على النفط والغاز. فلجأت دول الخليج إلى الولايات المتحدة الأمريكية في إرساء اتفاقيات الحماية وبناء القواعد العسكرية على أراضيها، وتعيش هي تحت مظلة حمايتها، وضخت للولايات المتحدة الأمريكية التريليونات من أجل الحماية الأمنية.
واتجه الكثير من دول الخليج إلى إعلاء ناطحات السحاب ورفاهية العيش من مدخرات النفط والغاز، وتسارعت في شراء الأندية الأوروبية بأغلى الأسعار، وشراء عقود اللاعبين لكرة القدم المتقاعدين من أندية أوروبا، وكلّه تبديد للمال والنعمة والتسابق في البذخ الذي لا طائل منه ولا فائدة. وتجاهلت بناء أي قوة ردع للدفاع عن أبناء شعبها وأوطانها وثرواتها. وتناست مرة أخرى أن شعبها هو نواة الشعب قديمًا الذي طرد وأفنى إمبراطوريات بالشرق والغرب، ولم يكن يملك ما تملكه الآن دول الخليج من هذه الثروات والفورات المالية التي ساقها الله لحماية مقدساته. فلا يزال الإنسان العربي قادرًا على أن يقهر كل المعتدين، ولكن بشرط وجود تكافؤ القوة له، فالصواريخ الباليستية العابرة للقارات هي العمود الفقري وخط الدفاع الأول عن الأوطان، فالروح المعنوية هي ذات الروح القتالية قديمًا، ذات الشجاعة والصمود، والفارق هو نوع المعركة، فأبناء الجزيرة هم الوقود والنار أثناء الحروب والصراع.
لكن للأسف تسللت روح الرفاهية والانهزامية إليهم ظنًّا منهم أن الإمبراطورية الأمريكية ستدافع عنهم حتى آخر قطرة. وتفاجأت شعوب المنطقة بهروب الأمريكان من المنطقة بعد مسح قواعدهم وتدميرها، ودعوة السفارة الأمريكية لكل رعاياها بالشرق الأوسط للمغادرة، وخرج العسكريون قبل المدنيين. وللأسف لم تتعلم دول الخليج من دروس التاريخ القريب، وتناست حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، وبعدها غزو الكويت، وأهملت بناء قوة عسكرية لحمايتها من الأخطار والتقلبات العالمية، ولم تستفد من أموال النفط والغاز لبناء ترسانة عسكرية ترهب بها العالم وكل من يحاول المساس بأمن وشعوب الخليج. وكان بالإمكان لدول الخليج أن تكون قوة عسكرية وتمتلك أحدث ما وصل إليه العقل المعاصر من العلم، وتكون هي القوة المهيمنة على الخليج إن لم يكن الشرق الأوسط أجمع.
إن القوة هي نظرية الردع التي لا مناص منها، وهي الكفيلة بحماية شعوب المنطقة، وليس الولايات المتحدة الأمريكية ولا فرنسا ولا غيرها من دول الغرب التي لا تبحث إلا عن مصالحها. ومصالحهم كلها عندنا، فنحن أولى بحماية أنفسنا وليس الغرب. يجب علينا أن ننظر بعين ذات بعد مستقبلي ونستوعب التجارب لما مضى من مآسي وحروب وإخفاقات ونعِيَ الدرس جيدًا، فقد لُدغنا من الجحر مرتين، فهل ننتظر الثالثة لتكون ثابتة؟
فلا يجب على دول الخليج أن تبحث لها عن مستثمر جديد للحماية الأمنية، أو تحاول تجديد تحالفات جديدة أصبحت أشبه بتجديد تأمين المركبات عندما تنتهي وتُدفع الرسوم المالية. فصدق قول الشاعر العربي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى // حتى يُراق على جوانبه الدم
** عضو الجمعية العُمانية للكُتّاب والأدباء
