عباس الزدجالي
في الأمثال الشعبية العُمانية حكمة تختصر صفحات من التحليل السياسي ومن بين تلك الأمثال: “خبزن خبزتيه… كُلّيه وحدِش”؛ أي أنك حين تعجن وتخبز وحدك، فعليك أيضًا أن تأكل وحدك. فالمسؤولية هنا لا تتجزأ: من خطّط وحده يتحمل النتائج وحده، حتى لو اكتشف لاحقًا أن الخطة لم تكن بالذكاء الذي ظنه صاحبها.

وهذا المثل يصلح اليوم- بشيء من السخرية- لوصف ما يواجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حربه مع إيران. فواشنطن قررت التصعيد، ثم التفتت حولها تبحث عن حلفاء يشاركونها المأزق. لكن المفاجأة أن كثيرًا من الحلفاء التقليديين لم يبدوا حماسة تذكر للقفز إلى المركب.
في أزمة مضيق هرمز الأخيرة مثلًا، طلبتْ واشنطن من حلفائها إرسال سفن حربية للمساعدة في تأمين الملاحة. غير أن ردود الفعل الأوروبية جاءت باردة، إن لم تكن متحفظة صراحة. بعض الدول اكتفت بالتصريحات الدبلوماسية، وأخرى تحدثت عن ضرورة “خفض التصعيد”، بينما فضّل البعض الوقوف على الرصيف ومتابعة المشهد من بعيد.
السبب ليس لغزًا كبيرًا. فالكثير من العواصم الأوروبية يقول، بلهجة مهذبة طبعًا، إن القرار بالتصعيد مع إيران لم يكن قرارهم. لم تُعقد مشاورات جدية، ولم تُبذل جهود حقيقية لبناء موقف مشترك قبل أن تتدحرج الأحداث نحو المواجهة. وعندما اشتعلت النار، جاء الطلب: من يتطوع لإطفائها؟
هنا تذكّر الأوروبيون فجأة أن المشاركة في حرب ليست مثل المشاركة في مؤتمر صحفي؛ فالسفن الحربية قد تتحول إلى أهداف، وأسعار الطاقة قد تقفز، والاقتصادات الأوروبية المثقلة أصلًا بالأزمات لا تبدو متحمسة لفتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط.
لكن المسألة لا تتعلق بالحرب الحالية فقط. فخلال السنوات الماضية، حرص ترامب على تذكير حلفائه الأوروبيين بأن حلف الناتو- في نظره- يشبه شركة تأمين: من يدفع أكثر يحصل على حماية أكثر. ثم جاءت الرسوم الجمركية لتضيف بعض “البهارات” إلى العلاقة، حين اكتشف الأوروبيون أن الحليف قد يتحول فجأة إلى منافس تجاري يفرض الضرائب على صادراتهم.
وفي ملف أوكرانيا أيضًا، ازدادت الشكوك الأوروبية حول ثبات السياسة الأمريكية. فإذا كانت واشنطن نفسها تتحدث أحيانًا عن تقليص دورها أو إعادة توزيع الأعباء، فمن الطبيعي أن يبدأ الأوروبيون بالتفكير في بدائل، أو على الأقل في مسافة أمان.
لهذا لم يكن مستغربًا أن يأتي الرد الأوروبي على طلب المشاركة في تأمين مضيق هرمز على طريقة: “نحن مع حرية الملاحة… ولكننا مع خفض التصعيد أيضًا… وربما مع انتظار تطورات الأمور قليلًا”. وهي لغة دبلوماسية تعني- بترجمة غير رسمية- أن الحماس محدود للغاية.
بعبارة أخرى، اكتشف ترامب أن الحلفاء ليسوا دائمًا مُستعدين للسير خلف واشنطن عندما يشعرون بأن القرار اتخذ من دونهم؛ فالشراكات العسكرية الكبرى تقوم عادة على التشاور المسبق وتقاسم المخاطر، لا على إرسال الدعوات بعد اندلاع الأزمة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الولايات المتحدة أصبحت معزولة تمامًا. فما زال حلف الناتو قائمًا، والتعاون العسكري مستمرًا، والولايات المتحدة تبقى القوة الأكبر في المعادلة الغربية. لكن ما تغير هو أن الاصطفاف التلقائي لم يعد مضمونًا كما كان في السابق.
وهكذا يعود بنا المشهد إلى المثل الشعبي: "خبزن خبزتيه… كُلّيه وحدِش".
فمن يقرر وحده، ويخطط وحده، ويتجاهل نصائح الشركاء ظنًا منه أن الخطة عبقرية… قد يكتشف لاحقًا أن الوجبة التي أعدّها بنفسه ستُقدَّم له أيضًا… ليأكلها وحده!
