ريتّا دار
حين يتحدث الناس عن الحروب، يفتحون الخريطة. تظهر الدول بألوان مختلفة، وتبدأ الأسهم بالتحرك فوقها. سهام تشير إلى هنا، وخطوط تمتد إلى هناك، وكأن الأمر لعبة استراتيجية على شاشة كبيرة. لكن ما لا تُظهره الخريطة أبدًا.. هو الإنسان!
الخريطة لا ترى المطبخ الذي تركه صاحبه على عجل. ولا السرير الذي ظل مرتبًا لأن أحدهم خرج ظانًا أنه سيعود مساءً. الخريطة لا تسمع صوت الهاتف الذي يرنّ في جيب شخص لم يعد قادرًا على الرد.
الغريب أن الحروب حين تُشرح، تبدو دائمًا منطقية. هناك أسباب، وتوازنات، ومصالح، وتحالفات. كل شيء يبدو قابلًا للفهم.. إلى أن نتذكر أن كل هذه الكلمات الثقيلة تنتهي دائمًا بشيء واحد: إنسان خائف.. إنسان ميت.. أو إنسان فَقَدَ عزيزًا، وهو الأسوأ. إنسان لم يكن يفكر في الخرائط أصلًا، بل في أشياء أبسط بكثير: عمله، عائلته، ويومه العادي الذي كان يفترض أن يمضي بهدوء.
في الأخبار، تُقال الجملة بسرعة: "وقعت اشتباكات..."، "سقط ضحايا..."، "تصاعد التوتر..." جملٌ قصيرة، تمرّ بين إعلانين تجاريين، ثم يكمل المذيع نشرته.
الخبر نفسه يبدو باردًا، محايدًا، لا يرتجف وهو يذكر الموت، ولا يتردد قبل أن يضع رقمًا جديدًا بعد كلمة "ضحايا". هو مجرد وعاء للكلمات. لكن خلف كل كلمة من هذه الكلمات، حياة كاملة كانت تسير في اتجاه طبيعي.. ثم توقفت فجأة.
رُبما المشكلة ليست في الأخبار. الخبر بطبيعته مختصر، سريع، بلا مشاعر. المشكلة في الطريقة التي نتلقاه بها نحن. نقرأه أحيانًا بين إشعارين على الهاتف، في المصعد، أو في طابور القهوة، أو ونحن ننتظر بداية فيلم. نرفع أعيننا عن الشاشة للحظة.. ثم نكمل يومنا. ليس لأننا لا نهتم، بل لأن العالم أصبح أسرع من قدرتنا على الحزن.
كل يوم يحمل خبرًا جديدًا، وكل خبر يطلب مساحة في القلب. لكن القلب، مثل أي شيء آخر، له حدود. ولهذا يتعلم الإنسان- دون أن ينتبه- أن يضع مسافة صغيرة بينه وبين الألم. ليس قسوة، بل دفاعًا.
ومع ذلك، يحدث شيء مختلف أحيانًا. لحظة صغيرة يتوقف فيها الإنسان قليلًا بعد قراءة الخبر. ربما بسبب صورة، ربما بسبب كلمة، أو ربما لأن الرقم بدا فجأةً أقل تجردًا وأكثر إنسانية.
في تلك اللحظة، يتذكر أن خلف الأرقام وجوهًا حقيقية، وبيتًا كان عامرًا، وأمًّا كانت تنتظر عودة أحدهم، وحياة كانت تسير بشكل عادي تمامًا.. قبل أن تتحول إلى خبر.
الحروب لا تغيّر الجغرافيا فقط. إنها تغيّر الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى العالم. بعد كل حرب، يصبح الناس أكثر حذرًا، أكثر قلقًا، وأكثر اقتناعًا بأن الاستقرار شيء هشّ يمكن أن يتكسر في أي لحظة.
وربما لهذا السبب يتمسك البشر بالأشياء الصغيرة أكثر من أي وقت آخر، قهوة الصباح، رسالة من صديق، ضحكة عابرة. هذه التفاصيل التي تبدو عادية جدًا في الأيام الهادئة.. تصبح كنوزًا حين يشعر العالم بأنه أقل أمانًا.
لا أعرف كيف تنتهي الحروب عادةً. التاريخ يقول إن لها نهايات كثيرة: اتفاقيات، هُدن، أو مجرد تعب عام من الاستمرار. لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه، أن معظم البشر لا يريدونها. الناس في كل مكان تقريبًا لا يحلمون بالنصر، ولا بالخرائط الجديدة، ولا بتغيير موازين القوى. معظمهم يحلم فقط بشيء بسيط جدًا: أن يبقى يومه عاديًا وآمنًا.
الأخبار قد لا تشعر بشيء، والخرائط قد لا ترى الإنسان. لكن الإنسان، لحسن الحظ، ما زال قادرًا على التوقف لحظة، والتذكر أن خلف كل خبر قصة حياة كاملة. وربما هذه القدرة الصغيرة على الشعور.. هي الشيء الأخير الذي يحمي العالم من أن يتحول كله إلى مجرد عناوين.
