محمد بن سلطان الساعدي
أكتب هنا هذه المقالة التدوينية التي منحتني إياها جريدة الرؤية وبتشجيع من الصديق والأستاذ الغالي حاتم الطائي بأن أواصل. كتابة المقالات وهذا تشجيع منه جزاه الله خيراً ليس لي فقط. بل عدة أقلام شرع لها الكتابة في هذا المنبر من باب التشجيع والانطلاقة نحو الإبداع وجبر خواطر من يريد أن يكتب إذا كان قادرا على الكتابة طالما أننا في حاجة، إلا ناس يشدون من أزرك ويشجعوك والأستاذ حاتم. الطائي واحد من. أهل الخير والكرم. والنفس السخية التي لا تعرف غير العطاء والمحبة؛ فالتشجيع مهم ورفع المعنويات أهم وأهم.
وفي هذا الصدد أذكر أني كلمت أحد رؤساء التحرير بكتابة مقالات في جريدته ومن الوهلة الأولى قتل الفكرة قبل ولادتها، وقال لي: "أنت مراسل. صحفي خليك من كتابة المقالات وغيرها". وتبخرت العزيمة والحماس وتكسرت المجاديف قبل حتى أنك تخوض التجربة في بدايتها وتغادر مبنى تلك الجريدة وما تركته تلك اللحظة في نفسك من روح شعري:
وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ // يَجِدْ مُرًّا بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا.
حتى جاءت الأيام بمعرفتي بالأخ والصديق حاتم الطائي، وها أنا ذا أخوض في هذا الغمار الذي أحببته لذلك أيضا أستغل هذه الفرصة لهذه التدوينة المقالية لي الكتابة عن شيء من الامتنان لأشخاص منحونا الكثير، وتركوا في حياتنا أثرًا لا يزول. أتحدث عن شخصية إنسانية فريدة وآسرة، وعن معلمٍ ومربٍ لكثير من المراسلين في ولايات السلطنة، أدخلهم عالم الصحافة، وفتح لهم بابه بثقة ومحبة. كان بالنسبة لمن عرفه نهرًا من المحبة والجمال، يترقرق بصفاء في قلوب خلانه وأصدقائه وكل من اقترب منه. نهرًا بديعًا لا يكف عن الجريان والتدفق.
كان سالم بن رشيد، بالنسبة لكثيرين منَّا، بوابة الدخول إلى عالم الصحافة. رجلًا بسيطًا في حديثه، كريمًا في تعامله، لا يتردد في أن يمنح الفرصة لمن يرى فيه رغبة صادقة.
في عام 2003 خصصت لي موعدًا صباحيًا للذهاب إلى جريدة عُمان. كانت لحظة مُهمة في بداياتي الصحفية. أذكر أنني مشيت مسافة في ذلك الشارع المؤدي إلى المبنى شارع الإعلام، شارع كنت أحب السير فيه كثيرًا. كنت ذاهبًا وأنا أعتمد على فرصة واحدة: أن يقبل الشخص الذي سألتقيه بأن أكون مراسلًا لولايتي. كانت الفكرة بسيطة في ذهني: إما أن تنجح المحاولة أو لا، لكن المهم أن أحاول.
عندما وصلت مبنى الجريدة وانتظرت قبل الدخول وجدت مراسل ولاية الأشخرة- وقتها- سالم بن محمد الجعفري، منهمكاً في كتابة أخبار عن ولايته الساحلية الجميلة، يصيغ عدة أخبار عن منجزات الولاية. ورأيته يكتب بغزارة وحوله مبعثرة عدة أوراق كان قد كتب فيها وشد انتباهي صراحة كيف كان يكتب بذلك الشغف العجيب اللامتناهي، ويومها بث فيني حماسًا أن أصل إلى مستواه على أقل تقدير. بعدها رحب بي شاب في قمة الأدب والاحترام، هو طالب الوهيبي، ثم توجهت إلى مكتب الأستاذ سالم بن رشيد، مدير المراسلين. وأول ما لفت نظري تلك الإطلالة الجميلة التي كان يطل منها مكتبه. سلّمت عليه، فاستقبلني بابتسامة اللقاء الأول جعلتني أشعر براحة كبيرة في الحديث.
أخبرته أنني أرغب في نقل أخبار ولاية مصيرة، تلك الولاية التي كانت تشهد بدايات مشاريع وإنجازات على أرضها، لكنها في الوقت نفسه بعيدة إعلاميًا بسبب موقعها الجغرافي، فقلّما كانت تحظى بتغطية صحفية.
استمع إليّ بهدوء، ثم شجعني بكلمات بسيطة ما زلت أذكر أثرها حتى اليوم. وفي اللحظة نفسها طلب من طالب الوهيبي أن يكتب رسالة اعتماد لي كمراسل. كنت أظن أن الأمر سيكون صعبًا، لكن الأمور سارت بسهولة لم أتوقعها.
قبل أن أغادر أسدى إليّ نصيحة لا أنساها. قال لي: اقرأ الجريدة يوميًا حتى تتعلم صياغة الأخبار. وأضاف أنه سيخصص لي نسخة من الجريدة تصلني باستمرار. أخذت بالنصيحة، وبدأت أرسل الأخبار اليومية عن الولاية عبر الفاكس، وبعدها التحقيقات الصحفية بالبريد، وأنتظر تحميض الصور من الأستوديو.
استمرت تلك العلاقة المهنية لسنوات، تعلمت خلالها الكثير. وحين انتقل الأستاذ سالم بن رشيد إلى وزارة الإعلام، انتهت مهمتي كمراسل للجريدة بقرار من الإدارة الجديدة. يومها اتصل بي أحدهم ليخبرني بالأمر وكان محرجًا، حتى أنه نصحني بمقابلة رئيس الجريدة وقتها، لكنني اعتذرت وقلت له إن القرار إذا صدر من المؤسسة فلن أعود إليها مراسلًا مرة أخرى.
مرت السنوات، حتى عاد الأستاذ سالم بن رشيد مرة أخرى إلى حياتي المهنية عندما عُيّن مديرًا لدائرة المراسلين في وكالة الأنباء العُمانية. اتصل بي يومها وقال ببساطة: نريدك مراسلًا للوكالة، وسنُرسل لك العقد عبر البريد. كنت في تلك الفترة قد ابتعدت عن كتابة الأخبار، حتى كدت أنسى طريقة صياغتها، لكنه أعادني مرة أخرى إلى هذا العالم الذي أحب.
لم يكن دعمه مجرد فرصة عمل، بل كان دعمًا معنويًا وأبويًا. هكذا كان سالم بن رشيد: تعامل راقٍ، ومحبة صادقة، ورغبة حقيقية في أن يرى من حوله يتقدمون.
وبعد سنوات من تقاعده، سنحت لي الفرصة لزيارته في منزله الكريم. كانت زيارة دافئة تشبه صاحبها. جلست معه ومع بعض زملائه القدامى، أصدقاء الأمس الذين ما زالت تجمعهم المودة والذكريات. كانت الجلسة بسيطة، مليئة بالحديث عن الأيام القديمة في الصحافة، وعن المراسلين الذين مروا من تلك التجربة.
أدركت يومها أن أثر الإنسان لا يقاس بالوظيفة التي شغلها، بل بما تركه في قلوب الناس. كثيرون مرّوا على مكاتب ومسؤوليات، لكن قلة منهم بقيت أسماؤهم حاضرة في ذاكرة من عرفهم أخبرني ذات مرة. أثناء زيارتي له في منزله بأنه لايزال محتفظ بدرع التكريم وسعيد به وحينما يراه يتذكرني وهو تكريم بسيط كنا أقمناه في منزله من شبكة أخبار مصيرة التي كانت يومًا منبرًا للولاية مصيرة قبل أن يتم توقيفها والمشكلة كانت في قيمة السجل التجاري المستخرج من وزارة التجارة، لكن تم إيقافه. وكانت لفتة بسيطة لتكريم الأستاذ سالم بن رشيد، عرفانًا بما قدمه من دعم وتشجيع لكثير من المراسلين، ومنهم كاتب هذه السطور. كان تكريمًا متواضعًا، لكنه صادق، يحمل رسالة شكر لرجل أعطى الكثير بصمت.
ربما لا تكفي الكلمات للحديث عن رجل مثل سالم بن رشيد، لكن يكفي أن نقول إن كثيرًا من الخطوات الأولى في طريق الصحافة العُمانية مرّت من مكتبه. وأن كثيرًا من المراسلين ما زالوا يذكرون ذلك الباب الذي فتحه لهم يومًا بثقة وبساطة.
وهكذا يبقى سالم بن رشيد، في ذاكرة من عرفوه، واحدًا من الذين أحببناهم.
