ماجد بن علي الهادي
"ليس من شيء في العالم كله أخطر من الجهل الصادق والغباء حي الضمير". مارتن لوثر كينج
*****
أنت قادر على فهم واستيعاب نفسك، ملم ومُدرك تصرفاتك، مُحيط بكل ما له علاقة بأفعالك. ولكن هل الأجواء المحيطة بك تدرك ذلك؟ هل المجتمع بكل ما يحمله هذا المعنى قادر على استيعاب أدنى فكرة من أفكارك وتصرفاتك؟
في الحقيقة للرد على هذه الأسئلة، يجب علينا معرفة أرضية هذا المحيط الاجتماعي، توجهاته وقناعاته، معايير تقييمه للمبادئ والقيم. فقد تختلف المعايير وإن توحدت المبادئ والقيم، وتختلف المناهج الفكرية بتنوع مصادرها. وعلى هذا الأساس فالاصطدام الفكري وارد، والاختلاف الضمني لمعنى الإدراك والاستيعاب متوقع. فمن يا ترى يؤثر على الآخر؟ الأجواء المحيطة مجتمعة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية) بالعقل المرفرف حولها، أم رياح الظروف المحيطة لها كلمتها الهائجة في كل وقت وحين.
بالتأكيد التأثيرات ستكون مزدوجة، والإرهاصات ستكون واضحة؛ حيث الاستسقاء الفكري لا يكف عن معاندة بعض المعايير، سمها الطبيعة الفطرية إن أردنا تسميتها جزافا، سمها العناد البشري وهو يمور في تلابيب التغيير من أجل التغيير؛ فثبات المعنى هنا ليس له أرضية ثابتة، اليوم يحاول العقل أن يتبنى فكرة تلوين المعرفة القديمة، وغدا المعرفة تتمدد وتتفرع وتتبناها تقنيات العصر الحديث، فتجرها جرًا حتى تشكلها في خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتتحول إلى أشياء متحركة، تحاكي الإحساس، توائم المشاعر.
هل أنت قادر على فهم نفسك، بينما الجماد المتحرك والمتشكل بتقنيات وخوارزميات يثبت لك لا. هل عقلك يستوعب أن عقل آخر اصطناعي يستوعب أكثر منه؟! لا سيما وأن هناك خططًا ودراسات وبحوثًا مستقبلية تتسابق لتطوير تلك الخوارزميات، بحيث تصل المحاكاة إلى مطابقة بشرية محسوسة.
التغذية الفكرية بمفهومها العقلي قد تتمكن من العبور إلى محطات عميقة من الابتكارات والتصنيع الرقمي، المعطيات المخزنة في أعماق القول قد ترنو إلى تلك الدوائر الملونة بأنواع التجارب العلمية، فتشكلها وتبلورها كيفما أرادت لترسم شلالات تضج بالابتكارات العلمية المختلفة. لكن لن تصل بالتأكيد إلى متنفس الروح، ولن تدرك الماهية معناها وهي تتلوى في عنق حياة الروح. لأن الخالق سبحانه وتعالى لا ولن يسمح بذلك.
هنا تقف العقول في طابور المحاولات مكتوفة الأيادي، تقف عاجزة لأنها تدرك أن الإدراك هنا يختلف عن سابقاته؛ فالإدراك هنا مفقود الهوية. ولهذا هناك خالق واحد، ولهذا فهناك من "يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار".
هنا تتغير المفاهيم للعقل، تتغير الاستنباطات والاستنتاجات، تتيقن النفس بأنها يجب عليها أن تعي بأن هناك خطوط لا يمكن تجاوزها أو مناقشة كيفية تجاوزها؛ فالإدراك العقلي محدود وإن حاول الإفلات من محدوديته، فسيقع في كمين التخبط، وستغطيه أدخنة الجهل، حتى وإن ادعى بالذكاء والحكمة.
هنا تقول الحياة والظروف المحيطة لا يحب عليك أن تفهمني، بل افهم نفسك أولًا، واعقد صلحًا مع عقلك كي لا يرميك في حفر الدمار. عقلك يمثل أنموذجًا للمجتمع الذي تعيش تحت سمائه وفوق أرضه، وما يؤثر عليك سيتأثر هو به عاجلًا أم آجلًا، وما أنت إلا هوية تسافر بها المعطيات من محطة إلى أخرى، يقودك طريقك بتصرفاتك وأفعالك، تقودك النوايا بما ربطها وعقدتها بتراكماتك الدفينة، تقودك أفكارك بما استلهمت من مناهج ومصادر ومراجع، تقودك نفسك بعد ما أشبعتها ورويتها من هواجس ووساوس أبت إلا أن تستكين في أعماقك.
وإنْ أدركت كل ذلك فمعناهُ إنك قد فهمت نفسك واستوعبتها ولا يغررنك أي مؤثر خوارزمي، ولا يشكك فيك أي تطور رقمي جديد، ولن تخنقك عبرات القلق والخوف من ضياع عقلك في تيه الجهل؛ لأن هذا الأخير هو السحابة السوداء العقيمة التي تحرم العقل من مطر المعارف المفيدة. فاثبت على رصانة الاعتدال الفكري تنجو.
