اليوم التالي لحرب الخليج!

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

نظرية الفوضى الخلاقة هي استراتيجية أمريكية صهيونية تهدف لإعادة تشكيل المنطقة العربية من خلال إثارة الأزمات والحروب لتجزئة وتقسيم المُقسَّم في الأصل من الإنجليز والفرنسيين في اتفاقية "سايكس بيكو" السيئة السمعة التي تم فيها تقسيم الدول العربية بين بريطانيا وفرنسا، وذلك لتمهيد ولتحقيق وعد بلفور للكيان الصهيوني بمنحه موطأ قدم في قلب الوطن العربي.

وقد ارتبط مفهوم الفوضى الخلاقة بوزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كوندوليزا رايس، وتجسد في افضل مظاهرِهِ في غزو العراق عام 2003، ثم ظهور "الربيع العربي" الذي تجلى أهم أهدافه بتفكيك الجيوش العربية القريبة من إسرائيل كالجيوش السورية والعراقية والليبية، كما إن استخدام أوراق الأقليات كالدروز والأكراد والمسيحيين الشرقيين وتعبئتهم ضد العرب والمسلمين، تعتبر من أهم الأدوات المستخدمة بقوة من قبل الصهيونية المسيحية، بينما اصبح الاتجاه اقرب من أي وقت مضى بالنسبة للدول الأخرى على ضفتي الخليج العربي؛ فالغاية النهائية للحرب الحالية هي إضعاف الدول التي تطالب بإقامة دولة فلسطينية وإجبارهم على التطبيع مع نتنياهو بالغصب. وبالفعل هذه الحرب التي تحرق الأخضر واليابس والتي تدور رحاها على ضفاف الخليج بعيدًا عن حدود الولايات المتحدة الراعي الرئيس لهذا العدوان؛ حيث أجبرتها إسرائيل وقادتها على إشعال الحرب في المنطقة، بينما تُقدَّم كل الدفاعات الجوية المتقدمة لإسرائيل وتُترك دول الخليج بضعف دفاعاتها التي جعلت من مطاراتها وموانيها؛ بل وحتى العمارات السكنية عرضة للصواريخ الإيرانية وطائراتها المسيرة.

يبدو لي أن من يصنع قرارات الحرب في إيران قد وقع في خطأ استراتيجي بتوجيه مدافعه وطائراته المسيرة نحو العواصم الخليجية بدلًا من التركيز على أعداء الأمة من الصهاينة والأساطيل الأمريكية في الخليج والمحيط الهندي. لقد خابت آمال بعض الجيران الذين أحسنوا الظن بجيرة الجنب على الضفة الشرقية للخليج. ويتضح لنا بأن مدافع وطائرات الدرون للحرس الثوري لا تدرك الفرق بين القواعد الأمريكية المحمية بالدفاعات (باتريوت وثاد)، بينما تغيب تلك الدفاعات المتطورة عن معظم المدن والمناطق الصناعية والموانئ والمطارات في الخليج العربي.

ونتيجة للخسائر في الأرواح والممتلكات تظهر بعض الأصوات الخليجية التي تطالب بالمشاركة في الحرب التي في الواقع فرضت على الجميع حتى على أمريكا نفسها من نتنياهو واللوبيات الصهيونية التي لم تترك فرصة للرئيس الأمريكي ترامب الذي تورط في مستقنع الحرب الإيرانية؛ إذ كان يتوقع حربًا خاطفة وسهلة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وبالفعل حصل ما يخشاه البيت الأبيض؛ حيث ارتفعت أسعار الطاقة الاحفورية وخاصة النفط والغاز إلى مستويات قياسية لأول مرة منذ أزمة النفط في 1973 بعد قرار العرب قطع النفط عن الدول الغربية المساندة لإسرائيل. كما أن إيران أظهرت صمودًا غير مسبوق أمام القصف الأمريكي الإسرائيلي.

ومن هنا أقول للذين يفكرون بالانضمام إلى هذه الحرب من دول المجلس أنكم يُجانبكم الصواب، فهذا ليس الوقت المناسب للرد، ذلك لكون الترسانة الامريكية لم تترك مكان في إيران إلّا استهدفته حتى المدارس والمستشفيات والمحطات التلفزيونية.

لا شك أن العلاقات بين ضفتي الخليج قد أصابها الضرر الكبير وأصبحت تلك الروابط الأخوية الضعيفة في الأصل في مهب الريح، بعد ما افسدتها مدافع إيران. وتداعيات الصراع الحالي بين ايران وجيرانها العرب له ما بعد، فإعادة ترميم جسور الصداقة بين الفرس والعرب يحتاج إلى الثقة والمصداقية التي أصبحت في مهب الريح؛ فتأسيس منظومة مجلس التعاون الخليجي كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تشكيل اتحاد خليجي جماعي للوقوف أمام التهديدات الخارجية من ايران وغيرها، ولكن لم تكن هناك إرادة حقيقية بين الشركاء للاندماج وتوحيد الجهود بين الاشقاء وخاصة في تأسيس جيش خليجي موحد مزود بالإمكانيات التسليحية المتطورة وقبل ذلك كله وجود منظومة دفاعية متطورة تحمي جميع حدود دول الأعضاء وسماواتها المفتوحة.

وفي الختام.. إن تداعيات هذا الصراع الحالي يتطلب من قادة مجلس التعاون اتخاذ قرار استراتيجي لتأمين مستقبل شعوب دول مجلس التعاون بعد هذا الحرب، فقد أكدت الأيام بأن القواعد الأجنبية لا تحقق لنا السلام؛ بل يجب أن يؤمن الجميع بأن من يحمي الأوطان من الاطماع الأجنبية هم أبناء المجلس أنفسهم. ومن هنا يجب أن يدرك أصحاب الحل والقد؛ بأن الوحدة الخليجية هي الرهان الوحيد لمستقبل الأجيال، وقبل ذلك كله لا بُد من وجود نوايا صادقة بالعمل بشكل جماعي لمواجهة المخاطر والتحديات والأطماع الأجنبية التي لم تفارق يومًا هذه المنطقة التي تزخر بالثروات والاحتياطيات النفطية.

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة

z