محفوظ بن راشد الشبلي
ينتهج البعض نوعاً من التوجيه الغريب في تصرفاته يغلب عليه طابع المُغالطات على من حوله وحواليه وأقرب الناس إليه، فتجده إن لم يرق له منهم توجّه مُعين في القول والفعل والعمل إلّا غالطهم فيه ونصَّب نفسه في صفة الناصح العاقل وكأنَّ الباقين ليسوا عُقلاء وليس لديهم دراية بأقوالهم وأفعالهم، وهو فقط صاحب العقل المُدبّر والرأي المُنقَّح والمشورة العَبقرية، والباقون ليس لهم الحق في رأيهم وتوجهاتهم وتقتصر الحِكمة فقط عليه وحده وتجده يفرضها على الغير ويستصغر بها الباقين، وهذا أمر غريب وعجيب وغير منطقي يُلقي بظلاله على روابط الود الذي يجمعه بالآخرين.
وفي سياق هذا الأمر تجد شخصاً يرتاد بين الفينة والأخرى وعلى فتراتٍ متفاوتة مكاناً مُعيناً به جَمع من الحضور، كالمجلس والمسجد وما شابههما من أماكن التقاء الناس ببعضهم، فتجده يُغالطهم ويفرض رأيه عليهم بأنَّ هذا غلط وهذا هو الصح ويجب فعل كذا وترك كذا ويريد تغيير أمور اعتادوا ومضوا عليها في ودٍ ووئام، وكأنه أتى مُصححًا وموجّهًا وليس مجرد زائر لوهلة بسيطة وبعدها لا تراه العين إلّا بعد أشهر وربما أكثر، والمصيبة الأدهى والأمر هي أن الجميع يعي ذلك الشخص بأنه شخص غير سَوي ويغلب عليه الطيش في التصرفات والأفعال ويفتقر للحِكمة وقِلّة احترامه للآخرين، بل إنَّ مشاكله متشعّبة مع أقربائه وأصدقائه وبه خِصام دائم مع كثير من البشر بسبب لسانه الطائل وتصرفاته الحمقاء، إلّا أنه يصر على فرض غطرسته على من يُجالسهم ويُواجههم أو يلتقي بهم ولو بالصدفة، مما يجعل الكل ينفر منه ويبتعد عنه وتجده غير مرغوب في كل مكان يحل فيه، وهي مشكلة مزمنة فيه وفي ذاته ولا يمكن علاجه منها.
يقول اللّه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في الآية (159) من سورة (آل عمران) ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ فإن وجدت شخصًا أو فئة من البشر يتبعون خلاف ما ورد في هذه الآية الكريمة، لوجدت الناس في خلاف وفظاظة ومماتة للود معهم، لأن دوام الود والوئام بين البشر يبقى قائمًا على كسب احترامهم وتقديرهم والأخذ برأيهم ولو لم تكن على توافق معهم، وبعدم تنصيب نفسك بمغالطتهم على كل صغيرة وكبيرة، وإسداء الرأي لهم بلا مشورة معهم وكأنهم في نظرك أقل منك.
يا شيخ هؤلاء زملائك وليسوا أطفالك، وهؤلاء رجال مثلك لديهم أسرة وذُرية وبعضهم أصبحوا أجدادا، وسيقبلون منك نصيحة أو نصيحتين ومغالطة أو مغالطتين، ولكن لن يرضوا ولن يقبلوا منك أكثر من ذلك، فهم ليسوا أقل منك وأنت لست أفهم منهم لِتُلقنهم وتعطيهم دروساً في التعامل، ويجب عليك احترامهم وتقديرهم، ولكل شخص توجّهاته وأفكاره وطريقته في تعامله، وأنت لك طريقتك في تعاملك ويجب عليك فصل مفهوم مسألة المغالطة عن مسألة النصيحة، كي لا تخرج عن النطاق والسياق وتُضعضع رابط الود القائم بينكم.
وختام القول.. إن لكل شخص ولكل بشر رأيهم ونظرتهم في ما يروه وهم ناسٍ أسوياء، ويجب على كل شخص ألا يكون ذا وصاية على الغير، فهم لم يُنصّبوك عليهم وليًا ولا حكيمًا ولا ناصحًا لتمتهن وصايتك عليهم، بل صُن نفسك واترك الخلق للخالق، وحافظ على روابط الود معهم، لأنَّ الإنسان السَّوي لا يرضى بأي حالٍ من الأحوال أن يَتلقّى الأوامر الدائمة من الغير والمغالطات المستمرة له على أقواله وأفعاله مهما كان ذلك الشخص قريبًا وعزيزًا منهم، فهم ليسوا أطفالًا كي توجههم وليسوا أصغر منك سنًا وحِكمة كي تَحتَكم بأوامرك عليهم، وهم أحرار في رأيهم حتى لو لَم تتوافق معهم، وأنت لك الحرية في رأيك ولكن بدون مغالطات ومشاحنات ومزايدات وفرض الرأي عليهم، وحافظ على الود والاحترام الذي يُبادلونك به، وكما قال الإمام الشافعي: ففي الناس أبدال وفي الترك راحة، فلا تجبر الغير وتلزمه بكثرة مُغالطاتك له على ترك صحبتك ولو كنت عزيزًا عليه.
