د. هلال بن حمود الريامي
انتشر بين الناس في زماننا هذا جدلٌ مستعادٌ حول مسألة: هل البسملة آيةٌ من الفاتحة أم لا؟ وراحت أصواتٌ تتعالى ملمحةً إلى جواز، بل ضرورة، حذفها من المصحف المطبوع، متذرعةً باختلاف بعض المدارس الفقهية. ونقول ولله الحمد: إن من سعة الشريعة أن تتعدد أنظار العلماء في الفروع، بيد أن الخلاف متى ما امتدت يده إلى رسم كتاب الله ومصاحف المسلمين، وجب أن نقف أمامه وقفة العقل الناقد والغيور؛ لنزن الأمور بميزان التجرد العلمي والبحث المنصف.
فلسفة التسمية وسُنة الأنبياء
لو تأملنا مناهج العرب في التسمية، وطرائق القرآن في وسم سوره، لوجدنا أنَّ السورة لا يُشترط قط أن تُسمى بما بدأت به حصرًا. فهناك سورٌ سُميت بمطالعها كـ (طه) و(يس)، وأخرى سُميت بما تفردت به كـ(البقرة) و(يوسف). أما (الفاتحة)، فقد سُميت بوظيفتها؛ فهي "فاتحة الكتاب"، والافتتاح في عُرف الشرع الحنيف له جلاله وسمته.
لقد سنّ لنا أصدق القائلين قاعدةً كليةً حين قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر". فإذا كان المسلم مأمورًا بافتتاح طهوره ومسيره باسم الله دفعًا للبتر والنقصان، فكيف يسوغ في العقل أن تُبتَر "أم الكتاب" من بسملتها؟ ولنا في كتاب الله أسوةٌ بسُنة الأنبياء؛ فها هو نبي الله سليمان عليه السلام، حين راسل ملكة سبأ، لم يجد أعظم من البسملة يفتتح بها كتابه: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. فإذا كان هذا دأب الأنبياء في كتبهم، أفيُعقل أن تُجرد رسالة الخاتم صلى الله عليه وسلم، وتحديدًا أم كتابها، من هذا الوسام الإلهي؟
إجماع الصحابة وحجة الرسم العثماني
إذا أمعنا النظر في صنيع الرعيل الأول من الصحابة، نجد حجةً تقطع دابر كل شك. لقد كان زيد بن ثابت ومن معه في لجنة جمع القرآن على غايةٍ من التشدد في تجريد المصحف من كل ما ليس بقرآن. لقد حذفوا أسماء السور، والأعشار، والأخماس، صيانةً للنص. ولكنهم أثبتوا (بسم الله الرحمن الرحيم) بخط أيديهم في أوائل السور، تاركين إياها يقينًا في سورة (براءة) لعدم نزولها. فلو لم تكن البسملة آيةً من كتاب الله، حاشاهم أن يخلطوا كلام الله بما ليس منه.
بين "علم القراءات" و"علم عدّ الآي".. تفنيد شبهة معاصرة
لقد خرج علينا بعض المتحدثين في المنصات المعاصرة بقياسٍ عجيب، يقيسون فيه إثبات البسملة أو حذفها، على اختلاف القراء في بعض الكلمات مثل (سارعوا / وسارعوا) أو (ووصى / وأوصى) بدعوى الزيادة والنقصان. وهذا، لعمر الحق، قياسٌ مع الفارق، وخلطٌ بيّنٌ بين "علم القراءات" و"علم عدّ الآي".
إن الاختلاف في تلك الكلمات نزل به الوحي وتواترت به القراءات، وقد وُزعت على المصاحف العثمانية المتعددة. أما البسملة، فقد كُتبت في جميع المصاحف العثمانية بلا استثناء. والمشكلة الحقيقية تكمن في عدم فهم المحتجين لـ "علم عدّ الآي"؛ فالاختلاف بين المدارس الإسلامية ليس في "ثبوت البسملة كتابةً في المصحف"، بل في كيفية ترقيمها:
* مدارس "العدد الكوفي" عدّت (بسم الله الرحمن الرحيم) هي الآية رقم (1)، و(الحمد لله رب العالمين) هي الآية رقم (2).
* بينما مدارس "العدد المدني"، لم تعدّها آيةً برقمٍ مستقل، بل اعتبروها جزءًا متصلًا بالآية الأولى (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين)، أو آيةً للفصل والبركة.
السؤال المنطقي إذن: بما أن الصحابة أثبتوها جميعًا في المصحف، فلماذا لا يُوجّه الاختلاف إلى كونه خلافًا في "كيفية عدّ الآية وترقيمها" بدلًا من الدعوة الصارخة إلى حذفها وبترها من الكتاب؟
التواتر العملي وشهادة المصادر المبكرة
إن لعلماء التجويد والقراءات حجةً دامغةً؛ ففي متونهم بابٌ أصيلٌ يُعرف بـ (باب البسملة بين السورتين)، نُقل بالسند المتواتر كابرًا عن كابرٍ. فهل ضلّ الرعيل الأول وغفلوا قرونًا متطاولةً حتى انتبه لها متأخرو زماننا؟
إن الباحث المتجرد حين يقلّب النظر في المصادر المبكرة للفقه المقارن، يجد ما يعضد يقين إثباتها؛ ففي أقدم المدونات الحديثية، كـ "مسند الإمام الربيع بن حبيب"، ما يؤكد هذا السمت الأصيل. وكذلك نجد في فقه الشيعة الإمامية نصوصًا لا تقبل المساومة على إثبات البسملة كجزءٍ من الفاتحة. فمن الأمانة العلمية اليوم أن تُراجع هذه المسألة بعيدًا عن التعصب، وفي ضوء المصادر المبكرة وتواتر الرسم المجمع عليه.
عبء الإثبات والاحتياط للعبادة
ما دام الصحابة قد أثبتوها في رسم المصحف الإمام، فإننا ولله الحمد نقرؤها في صلواتنا امتثالًا واستمساكًا بالصنيع الأول، ولا نرى حاجةً لنتكلف عناء الجدل. إن المطالب بالدليل، ليس من قرأ ما بين دفتي المصحف، بل العبء كل العبء يقع على عاتق من يتجاوزها ولا يقرأها! فهو من يحتاج أن يبرر كيف يسوغ لنفسه تجاوز ما خطّه الصحابة.
وأدهى من ذلك في مقام العبادة: ما موقف من يتعمد بترها وتركها في سورة الفاتحة -ركن الصلاة- لو وقف بين يدي الله وتيقن أنها آيةٌ منها كما نطق بها الرسم؟ أليس الاحتياط للدين، وصيانة الصلاة من شبهة البطلان، أولى من التمادي في بتر ما أثبته السلف؟
وختامًا.. وأمام هذه الدعوات التي تلبس لبوس التجديد، لا يسع المرء إلا أن يحذر من الخطر الخفي؛ وهو أن تكون هذه الشبهات سعيًا لقطع الصلة الروحية، ونزع البركة من كلام الله في نفوس قرائه، مصداقًا للحديث الشريف "فهو أبتر". فالبسملة تاج الفاتحة، ودرتها المكنونة، فليقف الجميع عند حدود الأدلة، وليُعظّموا ما خطّته أيدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
