حمد بن زاهر بن حمد العبري
يشهد العالم في الوقت الراهن مجموعة من التحديات المتشابكة التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية، والتكنولوجية والاجتماعية، وتنعكس بشكل مباشر على أدوار الدولة ووظائفها في مؤسساتها العامة، فلم تعد الأزمات أحداثا عابرة يمكن التعامل معها بردود فعل لحظية؛ بل أصبحت جزءًا من البيئة التي تعمل فيها المؤسسات، ومع ما تشهده المنطقة من تقلبات أمنية وسياسية أصبحت إدارة الأزمات بكفاءة معياراً أساسياً لاستدامة وتعزيز الأداء المؤسسي وحماية المكتسبات الوطنية.
لقد قامت النهضة الحديثة منذ عهد السلطان الراحل السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- على بناء مؤسسات عامة راسخة، قادرة على إدارة التنمية بكفاءة، واستمرت هذه المؤسسات في التطور في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- من خلال التوجهات الاستراتيجية لرؤية "عُمان 2040" للاستدامة وتعزيز الأداء الحكومي.
ومن هذا المنطلق، أثبتت التجارب العالمية أن المؤسسات الأكثر قدرة على الصمود هي التي تستعد للأزمات قبل وقوعها، فأصبحت إدارة الأزمات عملية متكاملة، تشمل التخطيط الاستباقي واستشراف المخاطر، وتفعيل آليات الاستجابة السريعة، وصولاً إلى ضمان استمرارية العمل المؤسسي وحماية موظفيها، واستمرار تقديم الخدمات الحيوية للمجتمع حيث لعب التحول الرقمي دورا محوريا في تعزيز هذا التوجه؛ فقد تجلّت جهود السلطنة في هذا المجال من خلال النسخة الثانية لجائزة الإجادة الرقمية في القطاع الحكومي لعام 2025، التي كرمت فيها مؤسسات حكومية سباقة في تبني الحلول الرقمية المبتكرة، وتمثل هذه المنصات الرقمية فرصة حقيقية لاستغلالها في إدارة الأزمات عبر أنظمة آمنة تدعم العمل عن بُعد، ومتابعة العمليات التشغيلية، وضمان استمرارية الخدمات وحماية الموظفين، مما يزيد من قدرة المؤسسات على التكيف مع المتغيرات، والحفاظ على استقرار الأداء حتى في أكثر الظروف تحديًا.
غير أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد على التقنية وحدها؛ بل يرتبط بشكل أساسي بكفاءة العنصر البشري القادر على توظيف هذه الأدوات بفاعلية، فالموظفون يمثلون المحرك الحقيقي لأي تطور مؤسسي، ومن خلال تنمية مهاراتهم، وتعزيز ثقافة الابتكار يمكن تحقيق مستويات عالية من التميز في الأداء الحكومي.
أما على المستوى الوطني، فتتولى اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة تنسيق جهود المؤسسات لضمان تكامل الأدوار في مواجهة الأزمات، وذلك استنادا إلى اختصاصاتها منذ إنشائها عام 1988، وتعزيزا لدورها بموجب المرسوم السلطاني رقم (5/2020)، كما يمتد دور وزارة العمل ليشمل حماية الموظفين والعمال من خلال تنسيق الجهود بين الجهات الحكومية، إضافة إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، و وضع السياسات والآليات التي تضمن تحقيق التوازن بين أطراف الإنتاج؛ بما يدعم استمرارية النشاط الاقتصادي في الظروف الاستثنائية ويحافظ على استقرار سوق العمل، ويكفل حقوق جميع الأطراف.
كما إن المؤسسات التي تستثمر في التخطيط المسبق للأزمات، وتستفيد من أدوات التحول الرقمي، وتعمل على تنسيق أدوارها مع شركائها في القطاع الخاص، تصبح أكثر قدرة على حماية مكتسباتها وضمان استمرارية خدماتها للمجتمع؛ بما يعكس قوة منظومة الدولة، واستدامة التنمية.
عندها تصبح الجاهزية للأزمات ثقافة راسخة تحقق الاستمرارية للمؤسسة، وتصون المكتسبات الوطنية في كل الظروف.
