سعيد بن محمد الرواحي
لم تكن فكرة الأمن الخليجي المشترك وليدة اللحظة، ولا ردة فعل عاطفية على حرب عابرة. هذه الفكرة ولدت مبكرًا في خضم الأحداث المتتالية التي هددت أمن المنطقة، بداية من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بغزو الكويت وتداعياته التي زلزلت منظومة الأمن الإقليمي، وكشفت هشاشة الاعتماد الكامل على الخارج.
في تلك اللحظة التاريخية، أدركت دول مجلس التعاون الخليجي أن المنطقة تدخل زمنا مختلفا، لا تحمي فيه الجغرافيا نفسها، ولا تكفي فيه الثروة وحدها لضمان الأمن. فطُرحت فكرة إنشاء منظومة دفاعية خليجية مشتركة. وقد أُوكل هذا الملف في إحدى مراحله إلى السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- لما عُرف عنه من حكمة سياسية وبعد نظر استراتيجي وخبرة عسكرية راسخة.
لم يتعامل السلطان قابوس مع الفكرة بوصفها شعارًا إعلاميًا أو حلما نظريًا، بل بادر إلى صياغة مشروع عملي واضح المعالم؛ قوة خليجية مشتركة قوامها مئة ألف جندي، مزودة بأحدث منظومات التسليح الدفاعية، وقادرة على الانتشار السريع في أي بقعة من أراضي دول المجلس لحمايتها من أي تهديد خارجي.
كان المشروع طموحا في فكرته، عميقًا في دلالته، أن تحمي دول الخليج نفسها بنفسها. لكن، وكما يحدث كثيرًا في منطقتنا، ضاعت الفكرة بين الحسابات السياسية الضيقة وتباينات المواقف داخل المجلس، ولم يحظ المشروع بالإجماع المطلوب، فتراجعت الفكرة إلى الخلف، وفضلت كل دولة أن تبني منظومتها الأمنية الخاصة عبر تحالفات عسكرية مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ثم بريطانيا وفرنسا.
ومنذ ذلك الوقت، أُنفقت آلاف المليارات من الدولارات على صفقات السلاح والقواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية.
ولكن بقي السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل العواصف العسكرية التي تضرب المنطقة؛ ماذا جنت دول الخليج من كل هذه المليارات؟
ما نشهده اليوم يضع هذه المعادلة كلها تحت المجهر؛ فالمنطقة تعيش واحدة من أخطر لحظاتها منذ عقود، مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من انفجار أمني غير مسبوق. وفي قلب هذا المشهد، تبدو دول مجلس التعاون وكأنها مكشوفة السماء، رغم القواعد العسكرية الضخمة المنتشرة على أراضيها، ورغم آلاف الجنود الأمريكيين الذين يتمركزون فيها.
وفي مشهد يكاد يكون سينمائيًا، تُضرب عواصم الخليج، وتتعرض منشآت ومصالح حيوية للخطر، بينما تقف المنظومة الأمنية الإقليمية عاجزة عن الردع!
ويتكرر المشهد اليوم بصورة أكثر خطورة، مع مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي تجوب سماء المنطقة، وتستهدف المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لدول الخليج ليلًا ونهارًا.
أما الولايات المتحدة، التي بنيت عليها فلسفة الأمن الخليجي لعقود طويلة، فقد وجدت نفسها طرفا مباشرًا في الحرب، بل إن تدخلها العسكري هو الذي أدخل المنطقة كلها في دائرة الخطر.
والأدهى من ذلك أن القدرات الدفاعية الأمريكية الهائلة سُخّرت بالكامل تقريبًا لحماية إسرائيل، بينما تُركت المصالح الخليجية في مهب الصواريخ والطائرات المسيرة!
وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة؛ إذا كانت كل هذه التحالفات لم تستطع حماية الخليج في لحظة الخطر، فما جدواها أصلًا؟
إن ما يجري اليوم يجب أن يدفع دول مجلس التعاون إلى مراجعة جذرية لفلسفة أمنها القومي؛ فقد أثبتت التجربة، وبقساوة لا تقبل الجدل، أن الأمن الذي يُستورد من الخارج يبقى أمنا هشًا، وأن التحالفات الدولية، مهما كانت قوية، تحكمها في النهاية مصالحها الخاصة، لا مصالح حلفائها.
ومن هنا فإنَّ اللحظة الراهنة قد تكون الفرصة الأخيرة لإعادة التفكير في المشروع الذي طُرح قبل عقود: بناء منظومة دفاع خليجية حقيقية، لا مجرد شعار سياسي.
قوة مشتركة قوامها أكثر من مئة ألف جندي، تمتلك قيادة موحدة، وقدرة انتشار سريع، وتسليحًا متنوعًا لا يخضع لاحتكار دولة واحدة. قوة تُبنى عقيدتها القتالية على الدفاع عن أمن الخليج ومصالحه، لا على خدمة استراتيجيات الآخرين.
كما إن تنويع مصادر السلاح أصبح ضرورة استراتيجية، حتى لا تبقى الجيوش الخليجية رهينة قرار سياسي في عاصمة بعيدة يمكنها، بضغطة زر، أن توقف قطع الغيار أو الذخائر.
إلى جانب ذلك، فإن بناء نواة صناعة عسكرية خليجية أصبح ضرورة وجودية، تبدأ بالصناعات الدفاعية الأساسية وتتطور تدريجيًا حتى تصل إلى مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي.
وفي موازاة ذلك، ينبغي التفكير في تحالفات إقليمية متوازنة مع دول تمتلك ثقلًا عسكريًا حقيقيًا، مثل مصر وباكستان وتركيا، بما يخلق منظومة توازن إقليمي أكثر استقرارًا. لكن المراجعة الاستراتيجية لا تكتمل من دون معالجة ملف بالغ الحساسية وهو العلاقة مع إيران؛ فإيران ليست دولة طارئة على الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل حضارة عريقة ضاربة في التاريخ، تمتلك قدرات علمية واقتصادية وبشرية هائلة. واستمرار حالة العداء المفتوح بين ضفتي الخليج لا يخدم أيا من الطرفين، بل يفتح الباب أمام القوى الخارجية لتوظيف هذا الصراع بما يخدم مصالحها.
إنَّ من مصلحة الجميع البحث عن معادلة توازن إقليمي تقوم على المصالح المشتركة، لا على الاستقطاب الطائفي أو الإملاءات الخارجية.
وفي المقابل، أثبتت التجارب المتراكمة أن الكيان الصهيوني وحلفاءه الغربيين ليسوا شركاء يمكن الوثوق بهم بالكامل في قضايا الأمن الاستراتيجي للمنطقة. فهذه التحالفات تدار في كثير من الأحيان تحت تأثير لوبيات سياسية واقتصادية، وعلى رأسها اللوبي الصهيوني الذي يدفع السياسات الغربية باتجاه خدمة المشروع الإسرائيلي التوسعي، والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك.
ولهذا فإنَّ السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم في عواصم الخليج، بصراحة وجرأة، هو هل نستمر في السير في الطريق نفسه، وإنفاق المليارات على منظومة أمن لم تحمنا حين احتجناها؟ أم نملك الشجاعة لإعادة بناء أمننا بأيدينا، قبل أن تفرض علينا الجغرافيا والتاريخ ثمن التأخر مرة أخرى؟
السؤال مطروح.. والإجابة ستُحدِّد شكل الخليج لعقود مقبلة.
