سالم بن حمد الحجري
في ذلك الصباح المشؤوم، استيقظ العالم على حقيقة صادمة: عصر القواعد الدولية انتهى، وبدأ عصر "الضربة الأولى" التي لا تنتظر تبريرًا ولا تطلب إذنًا. ما حدث في الساعات الأولى من الهجوم المشترك لم يكن مجرد عملية عسكرية؛ بل كان إعلان وفاة رسمي لما كنَّا نسميه "المجتمع الدولي".
بأسلوبه المعهود الصريح والمباشر، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النقطة الأخيرة على سطر القانون الدولي حين صرح: "الأخلاقي هو ما أراه أنا أخلاقيًا"، هذا التصريح ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو البيان الرسمي للنظام العالمي الجديد.
في اللحظة التي اختُطف فيها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ووُضعت بلاده تحت وصاية خارجية، ثم تلا ذلك اغتيال القيادة الإيرانية- وهي دولة كبرى بكل ثقلها السياسي والعسكري- بينما كانت تجري مفاوضات مع واشنطن، في تلك اللحظة سقطت كذبة "احترام السيادة" إلى الأبد؛ فالدولة التي كانت تجلس على طاولة المفاوضات بالأمس، تم محو قيادتها اليوم بقرار أحادي لا يعترف إلّا بمنطق القوة.
نحن الآن في عالم جديد يحكمه قانونان اثنان لا ثالث لهما: القوة والسُرعة، ومن يملك القدرة على توجيه الضربة الأولى ويمتلك السرعة الكافية لشلّ حركة خصمه قبل أن يستفيق من الصدمة، هو من يمتلك الحق. وفي هذا الواقع الجديد لا تُشن الحروب لتطبيق قرارات أممية ولا تبحث القوة عن مسوغ قانوني في مجلس الأمن، والتبرير أصبح ترفًا يأتي متأخرًا والشرعية تُصنع من فوهة المدافع، والعالم الذي كان يخشى الفوضى أصبح يعيش واقع الفوضى المنظمة بآلة الحرب والقوة القاهرة غير الآبهة بالاتفاقيات والمعاهدات والقانون الدولي الذي لم يبق منه إلا أطلالا في صفحات التاريخ القديمة.
روسيا، التي طالما قدمت نفسها كحارس للقانون الدولي، بدتْ كمن يراقب حريقًا هائلًا من وراء زجاج مضاد للرصاص: تنديد شفهي.. تعازٍ باردة.. ووقوف حذر على الحافة؛ فالكرملين أدرك أن قواعد اللعبة تغيرت جذريًا، والحليف الذي سقط في طهران، والنظام الذي انهار في دمشق، لم يعد من الممكن إنقاذهما بالبيانات. بالنسبة لبوتين، الواقع الجديد يفرض براغماتية متوحشة تشير إلى أن حماية المصالح المباشرة أهم من الدفاع عن مبادئ “السيادة” التي دهستها الدبابات.
أما بكين، فاختارت الصمت الاستراتيجي أو صمت الترقُّب وأصبحت تشاهد كيف يتم تمزيق قدسية الحدود وتغيير الأنظمة بالقوة الخاطفة، وصحيحٌ أنه ليس بصمت الضعف؛ فالدرس الذي استخلصه التنين الصيني واضح: الشرعية أصبحت ترفًا لمن يملك الوقت، أما من يملك السرعة فيصنع شرعيته الخاصة، وأنه عالم “من يضرب أولًا يمتلك الحق” ويصبح الانتظار مخاطرة وجودية.
في منطقة الخليج، المشهد يشبه دراما مأساوية، فبعض العواصم التي كانت تطالب سرًا بتقليم أظافر إيران، وجدت نفسها فجأة في مرمى النيران المباشرة، مطارات وموانئ ومنشآت حيوية تحولت إلى أهداف للرد الانتقامي الإيراني، ولكن المفارقة المؤلمة أن هذه الدول التي لعبت لعبة مزدوجة بين التحريض العلني والتشجيع السري، أصبحت الآن يتيمة النظام الدولي فلم تعد واشنطن تطلب إذنًا لاستخدام الأجواء والقواعد العسكرية، ولا تضمن حماية الحلفاء من شظايا الانفجار الكبير.
أما أوروبا، فظهرت كشاهد زور لا يملك حتى حق الكلام، ولندن وباريس، اللتان كانتا تُستشاران في الأزمات الكبرى، وجدتا نفسيهما خارج الغرفة تمامًا، يقرآن أخبار الحرب من منصات التواصل الاجتماعي. هذا التهميش الأوروبي هو الختم الأخير على وثيقة انتهاء ما يسمى بالغرب الجماعي لصالح الإمبراطورية الأحادية، ولم يعد هناك قواعد ليتجادلوا حولها، بل هناك أمر واقع يفرض نفسه بسرعة البرق.
ما جرى في اليوم الأول من هذه الحرب نزع القناع عن الوجه القبيح للعالم الجديد؛ حيث السياسة فيها ليست "فن الممكن"؛ بل فن الهيمنة بامتلاك القوة الفائقة وتكنولوجيا التدمير الشاملة التي داست على رأس الدبلوماسية والنظام الدولي الحديث بقرار الغطرسة وخيلاء القوة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: إذا كان هذا هو النظام العالمي الجديد، فما مصير الدول الصغيرة والمتوسطة؟ وهل سنشهد سباقًا محمومًا على امتلاك القوة الرادعة قبل أن يكون الدور على كل منها؟
العالم يتغير سريعًا أمام أعيننا فهل من سبيل إلى الرشد وهل فعلًا أنَّ لكل فرعون، موسى؟!
بقي أن أنوِّه بأنَّ هذا المقال يُعبِّر عن تحليلنا للتحولات الجيوسياسية الراهنة وليس بالضرورة تأييدًا أو رفضًا لأي موقف سياسي.
