علي بن مسعود المعشني
برهنَ العدوان الأمريكي على إيران بأن إقليم الحرب يُمثل ركيزة مهمة في ركائز الاقتصاد العالمي، وأنه عقدة مواصلات اقتصادية مهمة كذلك لحركة التجارة العالمية؛ إذ عبر مضيق هُرمز يخرج للعالم 21 مليون برميل من النفط يوميًا، وملايين الأطنان من المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية التي تستقر في أسواق أقطار الخليج وجوارها، أو التي يُعاد تصديرها بالعبور إلى جغرافيات أخرى، إضافة إلى حركة الملاحة الجوية؛ حيث تُشكل المنطقة عُقدة مواصلات جوية تربط القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا.
المتابع ليوميات العدوان الأمريكي على إيران يقف على الكثير من الأرقام التصاعدية، وبشكل يومي، لخسائر الاقتصاد العالمي نتيجة انحسار تصدير الطاقة عبر مضيق هرمز إلى ما دون الثمانية ملايين برميل يوميًا فقط، وصعود الطلب على الغاز إلى ما يفوق نصف الطلب في الأحوال الطبيعية.
هذا الأمر دفع بالأمريكي إلى رفع الحظر عن استيراد النفط من روسيا لتعويض الفاقد القادم من الخليج، وبهذا القرار ستنتعش روسيا مؤقتًا، وستفقد أقطار الخليج رصيدًا كبيرًا من دخولها النفطية والغازية، وستتمكن دول متضررة كالهند والصين من تعويض الفاقد عبر شراء النفط والغاز من روسيا.
لا شك عندي أن الدول الصناعية الكبرى، وعبر استشراف مخابراتها الاقتصادية حول العالم، تعلم بهذا العدوان وحجمه وأهدافه قبل وقوعه؛ الأمر الذي يجعلها تحتاط وتعمل على توفير وزيادة مخزونها الاستراتيجي من الطاقة، حفاظًا على وتيرة مؤشرات الإنتاج والتصنيع لديها، وتجنبًا لأعراض الانكماش أو التضخم في اقتصاداتها. والتضخم هو ارتفاع مستمر في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات؛ مما يقلل القدرة الشرائية للنقود (تآكل القيمة). في المقابل، الانكماش هو انخفاض مستمر في الأسعار وزيادة القوة الشرائية للنقود؛ مما قد يسبب تباطؤًا اقتصاديًا وتأجيل الاستهلاك. لهذا يسعى صُنّاع السياسات إلى استقرار الأسعار لتجنب التقلبات الحادة التي تضر الاقتصاد.
الأمريكي سعى من وراء هذا العدوان إلى تحقيق جملة من الأهداف لصالحه، ومنها الإضرار وكبح اقتصادات أخرى منافسة كالصين مثلًا، ولكن الصين ومن على وزنها تراقب جميع الأوضاع والمؤشرات حولها بصمت وفاعلية.
وبالعودة إلى التاريخ القريب، يمكن الاستشهاد بسقوط جدار برلين ووحدة ألمانيا عام 1990؛ فبينما كان العالم يُصفِّق لرمزية سقوط الجدار كمؤشر على تصدع المعسكر الاشتراكي، وانتصار غريمه الرأسمالي، كان الأمريكي يُراهن على تصدع الاقتصاد الألماني الصاعد والمؤرِّق له نتيجة الإنفاق على تنمية وترقية الجزء الشرقي الاشتراكي من ألمانيا، وتأهيله ليتناغم مع الجزء الغربي الرأسمالي، فتفاجأ العالم -وعلى رأسهم المُراهن الأمريكي- بأن ألمانيا قد رصدت موازنة سرية للغاية تُقدر بـ50 مليار دولار تحت بند عودة شرق ألمانيا للوطن الأم.
لا شك أن العدوان الأمريكي على إيران اليوم سيُحدث جملة من التداعيات الاقتصادية والسياسية في الإقليم والعالم، لمن يقرأ الأحداث بعمق ويتعظ منها، ومنها البحث عن جغرافيات بديلة للطاقة والنقل، إن لم تكن دائمة فللطوارئ وكبدائل آمنة. كما سيعزز من نظرة المجتمع الدولي لفاعلية وهشاشة المنظمات الدولية وجدوى استمراريتها بهذا الوضع، والذي أصبح مطابقًا لوضع عُصبة الأمم التي استعاض عنها العالم بمنظمة الأمم المتحدة، والتي تجاوزها الزمن اليوم.
كما لا نشك في أن هذا العدوان سيتسبب في جملة من الأضرار الإقليمية على دوله، والمتمثل في التلوث الحاد المتوقع على الماء والهواء والبحار والملاحة والحياة البحرية؛ فعلى الرغم من كون ذلك من أعراض ونتائج الحروب عادة، إلّا أن الأمريكي يجعلها أدوات حرب واستراتيجية وعقيدة عسكرية.
قبل اللقاء: "في الأرض مخلوقان // إنس وأمريكان" (أحمد مطر)
وبالشكر تدوم النعم.
