من حكمة السياسة إلى جرأة الاقتصاد

 

 

 

عبد الوهاب البلوشي

لم تكن حكمة السياسة الخارجية التي انتهجتها سلطنة عُمان خيارًا عابرًا؛ بل كانت رؤية استراتيجية بعيدة المدى أرساها المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد، فجنّبت البلاد ويلات الصراعات، ورسّخت مكانتها دولةً موثوقة تحظى باحترام الجميع. وبالتوازي مع هذا الإرث السياسي، منَّ الله على عُمان بموقع جغرافي استثنائي يتوسط أهم طرق التجارة البحرية العالمية، وهو موقع لم تصنعه السياسات، بل هو نعمة ربانية خالصة.

لقد اجتمعت لعُمان حقيقتان قلَّ أن تجتمعا لدولة في محيط مضطرب: موقع استراتيجي هو شريان للتجارة العالمية، ونهج دبلوماسي قائم على الاعتدال وعدم التدخل ومدّ جسور الصداقة مع الجميع. وبهذين العاملين استطاعت السلطنة أن تحافظ على استقرارها، وأن تبني رصيدًا من الثقة الدولية يصعب تعويضه.

غير أن الأمم لا تُقاس فقط بسلامة مواقفها؛ بل بقدرتها على تحويل الاستقرار إلى ازدهار، والموقع إلى قيمة مضافة، والثقة الدولية إلى شراكات اقتصادية مستدامة. وهنا ينتقل السؤال من الإشادة بالماضي إلى مسؤولية الحاضر: هل نملك الجرأة الاقتصادية التي توازي حكمة السياسة؟

إن الجغرافيا نعمة، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية؛ فهي تفتح أبوابًا واسعة في مجالات اللوجستيات والتجارة والطاقة والسياحة والصناعات المرتبطة بالموقع البحري، غير أن هذه الأبواب لا تُفتح إلّا بإرادة واضحة، وتشريعات جاذبة، وقرارات جريئة تواكب المتغيرات العالمية المتسارعة.

كما أن رصيد الثقة الذي بنته السياسة العُمانية عبر عقود ليس مجرد مكانة معنوية؛ بل يمكن أن يتحول إلى قوة تفاوضية وشراكات استراتيجية واستثمارات نوعية إذا ما أُحسن توظيفه ضمن رؤية اقتصادية متكاملة ومستدامة.

إن السلام ليس غاية بحد ذاته؛ بل هو بيئة تمكّن التنمية. والنعمة إن لم تُحسن إدارتها قد تتحول إلى فرصة مهدرة. وبين الجغرافيا التي وهبها الله، والسياسة التي صاغتها الحكمة، تقف مسؤولية المرحلة القادمة في ترجمة المقومات إلى إنجازات اقتصادية ملموسة تعود بالنفع على المواطن، وتضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.

عُمان تملك الأساس المتين… ويبقى الرهان على جُرأة القرار الاقتصاديّ.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z