ازدواجية المعايير بين الإمبريالية والسلام

 

 

 

طالب كحيلان الشحري **

 

بصرف النظر عن الخسائر الواضحة في الأرواح والتدمير الهائل للبنية التحتية، فإنَّ الحرب على إيران من قبل المشروع المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل تكشف عن المزيد من نقاط الضعف في نظامنا الدولي المحاصر:

المعايير المزدوجة

يعتقد محللو الجغرافيا السياسية أنَّ الرابح الأكبر في الهجوم العسكري ضد إيران هو بالفعل دولة إسرائيل اليهودية. لكن مع ذلك، فإنَّ حظ نتنياهو وافر. فبين النخب السياسية الأمريكية، وبغض النظر عن الحزب الذي يشغل البيت الأبيض، فإن جميع الإدارات الأمريكية، بلا استثناء، مستعدة دائمًا لإطلاق العنان لقوتها العسكرية على أعداء إسرائيل - سواء كانوا حقيقيين أو وهميين.

إن الهجوم غير المتوقع إلى حد كبير الذي وقع في نهاية الأسبوع الماضي على إيران والاغتيال المتعمد للمرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، إلى جانب العديد من كبار القادة، يوضح مدى تفكك منظومة الأمم المتحدة.

في غضون شهرين فقط من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أطاحت الولايات المتحدة برئيسي دولتين في قارتين مختلفتين. والأمر المثير للدهشة: كل ذلك دون أي عقاب!

في الشرق الأوسط، أصبحت إسرائيل امتدادًا خطيرًا للولايات المتحدة بكل أشكالها. وفي الوضع الراهن، تُحاط إسرائيل بجيران ضعفاء يعجزون بشكل متزايد عن الرد على أي تهديد إسرائيلي يوجهونه إليهم.

يدركون جميعًا الثمن الباهظ الذي سيدفعونه إن تجرأوا على الوقوف في وجه إسرائيل. أمريكا، الأخ الأكبر، تدعم نتنياهو ودولة إسرائيل، تلك الدولة التي تُسمى بالعرق المختار، والتي لا تُخطئ في نظر بعض الأصوليين الدينيين.

لا أدّعي أن إيران مثالية، لكنّ سبب سقوطها يكمن في كونها أشدّ معارضي إسرائيل في المنطقة. فبفضل دعم طهران، تمكّنت جهات فاعلة غير حكومية، مثل حماس وحزب الله، من شنّ حروب مقاومة ضد إسرائيل، ما أكسبها وصم المنظمات الإرهابية.

لذا، باتت غاية تل أبيب وواشنطن واضحة وضوح الشمس: تغيير النظام في إيران واستبداله بإدارة تابعة لها. وبهذه الطريقة، سينعم الإسرائيليون براحة البال، لعلمهم أن آخر تهديد لهيمنة إسرائيل غير المسبوقة، المدعومة من الولايات المتحدة، على الشرق الأوسط بأكمله قد زال.

بتحريض من إسرائيل، ولا سيما بقيادة نتنياهو، سقطت سوريا. لا يستطيع لبنان أن يحرك ساكنًا ضد إسرائيل. لقد أُبيد الفلسطينيون، وأُعيد تصنيف أراضيهم كأراضٍ تابعة للدولة تحت سلطة الكنيست.

تمتلك الولايات المتحدة قواعد عسكرية في جميع أنحاء المنطقة: في الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت - تمتد أذرع واشنطن العسكرية على نطاق واسع. أينما وُجدت القواعد الأمريكية، فإن إسرائيل تشعر وكأنها في وطنها. علاوة على ذلك، لا يمكن للدول المضيفة للقواعد العسكرية أن تُشكّل أي تهديد لإسرائيل، لا دبلوماسيًا ولا عسكريًا ولا بأي شكل من الأشكال، في المحصلة الأيدلوجية... نحن أمام انعطافه خطيرة في التاريخ الحديث.. وقلب موازين القوة وإعادة هيكلة الشرق الأوسط بما يتماشى مع الرغبات الغربية وبالأحرى إسرائيل التي تسعى جاهدة لفرض هيمنتها على العالم العربي وليس الغربي فقط.. وبالنظر لما يحدث منذ نصف قرن من الزمن نرى بأن الأحداث تتسارع وبوتيرة واحدة لا لبس فيها.. بداية من معاهدة كامب ديفيد مرورًا باتفاقيات أوسلو وصولًا إلى الحرب الإيرانية العراقية والغزو العراقي للكويت وسقوط العراق وتشويه صورة الإسلام والربيع العربي وسقوط أنظمة عربية وصولًا إلى كورونا.. كل هذه الأحداث ما هي إلّا مشكاة واحدة ومخطط لما هو أعظم وأكبر.. لذلك علينا أن نعي بأن القادم ليس كما نعتقد أو نتصور.

** إعلامي ومقدم برامج

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z