إنها ترمي بشرر كالقصر

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

 

لم يتوقع أحد في العالم أنَّ الضربة العسكرية سوف تأتي والمفاوضات جارية، فقد عقد الجميع آمالًا كبيرة على جهود السلام التي تبذلها سلطنة عُمان لمنع نشوب الحرب، فلا أحد يُريد الحرب باستثناء عدو البشرية ومغتصب الأرض، ذلك الكيان الذي يجد في الحروب غاياته ومآربه، لقد أصبحت إثارة النزاعات والفتن حرفة يتقنها هذا الكيان البغيض المنبوذ، لذلك كان يحرك خيوطه في الخفاء لتقوم الحرب التي يسعى لها والتي سوف تكون بوابة تحقيق حلمه الأبدي وهو دولة اليهود من النهر إلى النهر.

بذلت سلطنة عُمان جهودًا حثيثة بتوجيهات من حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وعمل دبلوماسي كبير من معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية لاحتواء الأزمة ونزع فتيل التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، مع وجود دعم دولي من الشعوب المحبة للسلام، وكان كل شيء يشير إلى الوصول لحلول مناسبة لحل الأزمة التي تشهدها المنطقة منذ فترة طويلة، إلا أن ما كان يدور في الخفاء من مكيدة وغدر مبيت أفشل كل ذلك وبدد الأمل الذي كان يلوح في الأفق.

لقد باغت الكيان الصهيوني- وبتنسيق مع القيادة الأمريكية- الإيرانيين الذين كانوا يُحضِّرون لجولات جديدة من المفاوضات، ولم يعتقدوا أن الضربة سوف تستهدف رمز النظام والمرشد الأعلى، وربما كانت الصدمة أكبر من الاستيعاب ليس على الإيرانيين فقط؛ بل على العالم أجمع الذي لم يتوقع أن تمتلك إسرائيل كل هذه الجرأة وتستهدف الرجل الأول في النظام الإيراني، وهو ما يعني التصعيد الأشد في الأزمة تاريخيًا، والنقطة التي لا عودة منها؛ فالسيد علي الخامنئي ليس مجرد شخصية سياسية قيادية؛ بل هو رمز ديني غير قابل للمس، ويبدو أن هذا العمل هدفه التصعيد لأبعد نقطة، ورغبة جامحة للحرب، ولكنه تصعيد أحمق بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

لا داعي لشرح ما حدث بعد ذلك؛ فالجميع يتابع ما يحدث، والجميع يدرك أن العالم يتجه إلى المجهول إن لم تنتهِ هذه العنجهية الأمريكية، وما لم يتوقف هذا الكيان الغاصب عن أحلام اليقظة التي دفعت المنطقة إلى حافة الهاوية. وقد نبه إلى ذلك معالي السيد وزير الخارجية في تصريحات سابقة إلى أن ما يحدث في المنطقة هو بسبب الاحتلال الصهيوني غير القانوني لفلسطين، ولكي يعود السلام لا بُد من إنهاء هذا الاحتلال الغاشم، وأن استمرار هذا الاحتلال هو سبب كل هذه الأزمات التي يعيشها العالم منذ قيام دولة إسرائيل المزعومة والمدعومة من الغرب إلى يومنا هذا، فكل ما يحدث ليس سوى خطوات نحو مشروع الشرق الأوسط الجديد وإسرائيل الكبرى، هذا المشروع الاستعماري الذي ينذر بحرب عالمية تقضي على البشرية وتعيدها للعصور الوسطى.

هذه المرة لم تكتفِ إيران بضرب تل ابيب، وانما طال القصف دول الخليج العربي، وخاصة المصالح الامريكية في المنطقة، وتطور الوضع وأعلنت عن غلق مضيق هرمز، والعالم لا يعرف ما هو القادم. صحيحٌ أننا نعيش اوضاعًا لم نتخيل اننا سوف نشاهدها يومًا ما؛ فالخليج الآمن المُسالِم أصبح ساحةً لصراع لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أن هناك من باع الوهم وأدخل المسلمين والعرب في صراعات سياسية وطائفية فتت لحمة الأمة، وتسببت في صدع كبير لن يكون رأبه سهلًا على الإطلاق، وسوف يكون له تبعات سلبية على الأجيال.

لقد تناولت في مقال سابق أطماع هذا الكيان من خلال مشروعه "حدود الدم"، وأن هذا المشروع لن يتوقف إلّا بزول هذا الكيان ومن يدعمه، كما تناولت في مقال آخر- بعد حرب الأيام الاثني عشر- أن الأزمة القادمة سوف تكون أشد، وأنه إذا وقعت الحرب فسوف تكون حرب طاقة وموارد، ولا بُد من أن تنتبه دول الخليج لهذا الخطر، وطالبتُ بأن تكون الدقم مركزًا خليجيًا لتصدير النفط والغاز، واليوم نشاهد ما يحدث دون قدرة على ايجاد اي حل.

بقي أن نُدرك أن الحرب لا مبادئ فيها، وأن هناك من يستغل الأزمة لتحقيق مكاسبه الخاصة، ونعرف أن عدونا هو من أشعل الصراع وضغط على الزناد، ونعلم أن أهدافه عميقة جدًا، ويرغب في أن يُدخلنا في صراع داخلي يضرب بعضنا رقاب بعض، لذلك يجب علينا الحذر وعدم الانجرار لهذا الأمر، وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة حرب هي الأخرى، والله المستعان.

الأكثر قراءة

z