صالح الحارثي
موقف العُمانيين- وغيرهم من الشعوب الحُرة- من الصراع الإيراني الأمريكي ليس فقط دفاعًا عن إيران، كما يبدو للكاتب المرموق سعيد بن مسعود المعشني وله مني كل التقدير، فإيران لها ما لها وعليها ما عليها، ونرجو أن تكون قد حفظت الدرس عن ظهر قلب، وإنما درءًا لحرب أكبر إن انتصرت إسرائيل- لا قدَّر الله- إذ قد تجر المنطقة إلى منزلق خطير لا يعلم نتائجه إلا الله.
وما الحربُ إلا ما علمتُم وذقتُمُ
وما هو عنها بالحديثِ المرجَّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
وتضرَ إذا ضرّيتموها فتضْرَمِ
وهي كذلك اليوم وأشد فتكًا من حرب داحس والغبراء التي وصفها زهير ابن أبي سلمى والتي استمرّت لعقود بين قبيلتين أهلكت الحرث والنسل، وكانت بالسيف والخيل حينذاك، وضحاياها لا يتعدون المئات، وليس بالمقاتلات والصواريخ والمسيرات كما هي اليوم؛ فهو لم يُعاصر نُسخ الحروب الحديثة المتطورة، لا الحربين العالمتين الأولى والثانية والتي ضحاياها بالملايين ولا حرب المليون شهيد في الجزائر ولا حروب الخليج العربي الأولى والثانية وما نتج عنها من وفاة أكثر مليون شخص، ولا الحرب على فلسطين وإبادة غزة وتصفية ما يزيد عن 70 ألف شهيد من أبناء فلسطين خلال أشهر قليلة، وغيرها الكثير من الحروب التي ما انفكت تُشعلها الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل في المنطقة، وآخرها هذه التي نراها بين أيدينا الآن، والتي نسأل الله أن يطفئها قبل أن تجرنا إلى حرب عالمية ثالثة ساحقة تحرق الأخضر واليابس، تلتقي فيها القوى النووية روسيا والصين وكوريا الشمالية من جانب والولايات المتحدة، وحلفاؤها من جانب آخر، نكون نحن المسلمين نارها ورمادها، وكل ذلك من أجل تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"، وقد بدأت بوادر ذلك تظهر منذ افتعال كذبة الحادي عشر من سبتمبر بتفجير مبنى التجارة العالمي في نيويورك، ومخطط غزو العراق واحتلاله، وخلق الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، ودعم الفوضى اللاخلاقة في المنطقة، والتحالف على ليبيا، وتقسيم السودان، وتحييد سوريا، والآن ضرب إيران؛ كآخر سد يقف أمام التآمر الغربي على الإسلام والمسلمين في ثوبه الجديد "مجلس السلام العالمي" الذي أقيم على أنقاض الأمم المتحدة وعلى رفات المسلمين ومن دمهم ومالهم.
فمُخطئ منْ ظنَّ يومًا أنَّ للثَعلبِ دينا.
"طبول الحرب تقرع ومن لا يسمعها فهو أصم".. هكذا قال هنري كيسنجر عرّاب السياسة الأمريكية، وعُمان على مدى تاريخها العظيم لم تكن إلا عقلا واعيا ومدركا لمآلات الحروب ونتائجها المؤلمة فقد كانت جزءًا من معارك طاحنة خاضتها باستبسال لرد الحملات الصليبية وبعدها المد الشيوعي في المنطقة، ولأنها اكتوت بنارها وعاشت آلامها؛ فهي تحاول الآن جاهدة بإبهام وزير خارجيتها لا بسبابة الرئيس ترامب أن تتقيها وتجنب المنطقة نتائجها الكارثية ومن لا يدعم هذه الجهود والمساعي الحميدة بالفعل أو بالقول أو حتى بالسكوت؛ فهو إما أصم أو غافل.
** سفير سابق
