عبدالنبي الشعلة
في مثل هذا اليوم من كل عام، وعلى امتداد ستة وعشرين عامًا، تحل علينا ذكرى وفاة المغفور له صاحب العظمة أمير البلاد الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، ذلك القائد الذي اقترنت سيرته بالنبل والإنسانية، وجسّد في ممارسته للحكم قيم الحنكة والحزم، مقرونة بالتواضع ودماثة الخلق وصدق الانتماء للوطن والناس.
لم تكن مكانة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة راسخة في قلوب البحرينيين وحدهم، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، بل امتدت إلى محيطه الخليجي والعربي، وإلى كل من عرفه أو تعامل معه عن قرب. فقد كان رحمه الله نموذجًا نادرًا لقائد جمع بين هيبة المنصب وبساطة الإنسان، وبين صرامة المسؤولية وشفافية القلب، فاستحق تلك المحبة الصادقة التي لم تتآكل مع مرور الزمن.
وعلى المستوى الشخصي، كان لي شرف القرب منه، ونلت من عطفه وثقته وتقديره ما أعدّه من أثمن عطايا العمر، وهي قيم لا تُرد إلا بالوفاء والامتنان؛ هكذا تعلمت معنى الإخلاص الحقيقي، ومعنى الولاء الذي لا يُرفع شعارًا بل يُمارس سلوكًا ومسؤولية. ولهذا، ما دمتُ قادرًا على حمل القلم، سأعود في مثل هذا اليوم من كل عام إلى الذاكرة، أستنهضها، وأستعيد لحظات وشواهد لا تُنسى.
من بين تلك الذكريات، ما يعود إلى العام 1997، عندما حان دور مملكة البحرين لتولي الرئاسة الدورية لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب، وتشرفتُ برئاسة تلك الدورة.
وبموافقة الإجماع، استضافت البحرين أعمال الدورة في الفترة من 6 إلى 11 أبريل 1997، وكان على رأس جدول أعمالها مناقشة وإقرار "برنامج العمل العربي الموحد للعمل الاجتماعي". وشارك في تلك الدورة الدكتور عصمت عبدالمجيد، الأمين العام لجامعة الدول العربية آنذاك.
وكان من أبرز محطات الزيارة، اللقاء الذي جمع الأمير الراحل بالأمين العام والوزراء المشاركين. وقد بدت الدهشة واضحة على وجوه الضيوف حين أُبلغوا بأن موعد اللقاء سيكون الساعة السابعة صباحًا، وهو وقت بدء الدوام الرسمي في مؤسسات الدولة. وفي الطريق إلى اللقاء، قال لي الدكتور عصمت عبدالمجيد، وهو الذي قابل خلال مسيرته مئات القادة والملوك والرؤساء، إنه لم يشهد من قبل رئيس دولة يستقبل وفدًا رسميًا في هذا التوقيت المبكر، معربًا عن انبهاره بروح الانضباط والمسؤولية التي تمتع بها الأمير.
وتضاعف هذا الانبهار حين وصل الوفد ليجد الأمير، رئيس الدولة، واقفًا في استقبالهم خارج القاعة، لا جالسًا في داخلها كما تقتضي الأعراف البروتوكولية. فقد كان رحمه الله يبدأ يومه بعد صلاة الفجر، ويحرص على استقبال ضيوفه بنفسه، مؤمنًا بأن المسؤولية تبدأ من القدوة، وأن احترام الوقت واحترام الإنسان جزء من أخلاقيات الحكم.
وكان مجلسه الخاص، حيث تُعقد مثل هذه اللقاءات، بسيطًا في مظهره، عميقًا في رمزيته. ومن أبرز ما يلفت النظر فيه صورة كبيرة بالأبيض والأسود لصاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، التُقطت له في حفل تخرجه من أكاديمية ساندهيرست العسكرية عام 1968، وكأنها رسالة صامتة عن الاستمرارية والمسؤولية المتوارثة.
وعند ختام اللقاء، أصر الأمير الراحل، كعادته، على توديع ضيوفه ومرافقتهم حتى خارج القاعة، متجاوزًا اعتبارات البروتوكول والأمن، في مشهد جسّد قمة الرفعة والسمو الإنساني. وفي طريق العودة إلى الفندق، ظل الدكتور عصمت عبدالمجيد صامتًا، ثم قال عبارة لا تزال راسخة في الذاكرة: "هذه قمة التواضع وقمة الثقة بالنفس… أشعر أنني التقيت قديسًا، لا مجرد قائد".
تلك الكلمة، "قديس"، عادت إلى ذهني مؤخرًا وأنا أستمع إلى شهادة الدبلوماسي الكويتي المخضرم عبدالله بشارة، أول أمين عام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي وصف الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بأنه "مكسب للبحرين" و"رجل ذو قيمة أخلاقية رفيعة"، ناقلًا عن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قوله: "حافظ الأسد لا يتآمر على القديسين.. الشيخ عيسى رجل قديس".
ويعزز عبدالله بشارة هذه الصورة في كتابه "الغزو في الزمن العابس.. الكويت قبل الغزو وبعده"، حين يروي اتصاله بالأمير الراحل مساء الثاني من أغسطس 1990، يوم احتلال الكويت، مشيرًا إلى أن الشيخ عيسى كان يتحدث بألم وحسٍّ عالٍ بالمسؤولية، وناصحه بالتواصل مع خادم الحرمين الشريفين، إدراكًا منه لخطورة اللحظة التاريخية.
تكشف هذه الشهادات عن المكانة الخاصة التي كان يحتلها الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في منظومة العمل الخليجي المشترك، بوصفه صوت حكمة يُلجأ إليه في أوقات الشدة، ومرجعية يُستأنس برأيها في اللحظات المصيرية. فلم يكن مجرد قائد لدولة عضو في مجلس التعاون، بل كان ضميرًا سياسيًا وأخلاقيًا حاضرًا في الوعي الخليجي.
وفي مثل هذا اليوم من كل عام، نقف وقفة إجلال لذكرى هذا القائد الاستثنائي، مستحضرين إرثه الإنساني والوطني، ومستذكرين في الوقت ذاته ذكرى تولي جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، مقاليد الحكم، سائلين الله له دوام التوفيق والسداد، وأن يحفظ البحرين وأهلها، إنه سميع مجيب.
