د. عبدالعزيز بن محمد الصوافي **
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ المنطقة، حين ارتفعت حرارة الخطاب السياسي وتراكمت الحسابات العسكرية على وقع التصعيد بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، كانت سلطنة عُمان تمضي على خطٍ آخر: طريق دبلوماسي هادئ يراهن على إنقاذ الأرواح قبل تحسين المواقف.
هكذا فعلت عُمان تاريخيًا، وهكذا حاولت أن تُبقي نافذة الحل مفتوحة، بينما أطرافٌ أخرى باركت في العلن الجهود ذاتها، ثم راحت في الكواليس تُزاحمها بالتحريض والدفع نحو المواجهة.
الحرب ليست بيانًا ولغة عنيفة في منصةٍ رقمية، ولا نزهةً قصيرة على خرائط الجنرالات. الحرب جمرٌ يلتهم الهشيم أولًا في ديار من استدعاه، قبل أن تمتد نيرانه إلى الآخرين. وما إن اندلع الاشتباك حتى تكشّفت الحقائق المؤلمة: أرواح بريئة أُزهقت، وثرواتٌ أُهدرت، واقتصاداتٌ وإمدادات طاقة ارتبكت، وحدودٌ سياسية وأمنية سيُعاد رسمها بالقوة. كل ذلك بينما كانت المنطقة- بحسب ما تم تأكيده على لسان معالي السيد وزير الخارجية العُمانية- على بعد مسافةٌ قصيرة تفصلها عن مخرج واتفاق تفاوضي مبشر ومعقول ومرضٍ لكل الأطراف.
غير أنّ رصاصةً واحدة قادرة على تمزيق خرائط التفاهم التي تُصاغ في أشهر. الهجوم الإسرائيلي الغادر وما تلاه من عمليات واغتيالات، طالت المرشد الأعلى لم يكن مجرد حدث أمني عابر؛ كان انقلابًا على إيقاع المساعي الهادئة، وجرّ المنطقة إلى نفقٍ كثيف الظلال، لا تُعرف مآلاته القريبة ولا البعيدة، ولا يُرى في آخره ضوءٌ واضح للخروج. هكذا تُقوَّض الخطوة الأخيرة نحو التسوية عندما تُستبدل لغة المصالح المشتركة بلغة الانتقام، ويُستبدل منطق الردع بالعقاب المفتوح.
لقد كشفت هذه الجولة القاسية أن الخاسر ليس طرفًا بعينه؛ بل الأطراف كافة: من كان على شفا اتفاق، ومن راهن على الحرب لتحسين شروطه، ومن ظن أنَّ النار ستبقى محصورة في بيت الجار. في المقابل، ربحت عُمان ما دافعت عنه دائمًا: مصداقية الصوت الذي لا يعلو على الألم الإنساني، ورأسمالًا أخلاقيًا صار نادرًا في سوق السياسة.
الدروس واضحة؛ لا بديل عن قنواتٍ دائمة وشفافة للتواصل، وضماناتٍ متبادلة تردم فجوة انعدام الثقة، وجدولٍ زمني واقعي يقي التسويات من رياح المفاجآت. أمّا أولئك الذين يجمعون بين مديح الدبلوماسية علنًا وتغذية الحرب سرًا، فقد آن لهم أن يختاروا، لا تستقيم المصافحة وسبّابة التحريض في يدٍ واحدة. في النهاية، يربح السلام لأنه أقل كلفةً على الإنسان والتاريخ ولأن البديل، كما رأينا، جحيمٌ يتّسع للجميع.
ولعلّ أجمل ما نختم به هذا المقال، ما قاله الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سُلمى، وقد لخّص طبائع الحروب وآفاتها في أبياتٍ خالدة:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم // وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة // وتضرى إذا ضريتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثفالها // وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم // كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
هذه الأبيات تُوجِز رسالة المقال في أن الحرب ليست شعارًا ولا استعراض قوة، بل طوفانٌ يلتهمُ أصحابه قبل سواهم، ويورثُ أجيالًا من الشؤم والكلفة، فيما السلام- مهما شقَّ طريقه- أقلُّ ثمنًا على الإنسان والتاريخ.
** باحث أكاديمي
