إيران.. وإعادة التموضع الاقتصادي والنظام الإقليمي الناشئ

 

 

 

مرتضى بن محمد الجمالاني

 

تدخل إيران ما يُمكن اعتباره مرحلتها الثالثة- مرحلة إعادة التموضع الاقتصادي- وهو تحوّل ستكون له انعكاسات إقليمية واسعة. وفي الوقت ذاته، من الضروري أن تُعيد دول الخليج تقييم آليات إدارة مواردها المالية وأصولها السيادية بعناية، بما يُعزز حضورها الاقتصادي العالمي ويمكنها من امتلاك صوت محترم وتأثير فاعل في النظام الدولي.

إنَّ تحقيق هذا الهدف لا يكون عبر التنافس الداخلي أو الاصطفاف ضمن محاور متصارعة، بل من خلال الوحدة وتنسيق المصالح وبناء شراكات متوازنة مع الدول المجاورة - وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فالجغرافيا ثابتة، والتاريخ مشترك، ويمكن للمصالح الاقتصادية أن تكون جسرًا للاستقرار بدلًا من أن تكون مصدرًا للتوتر.

وقد أكد النبي محمد ﷺ على أهمية حُسن الجوار بقوله: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».

وهذا المبدأ الأخلاقي يمكن أن يكون أيضًا مبدأً سياسيًا: فاستقرار جارك يسهم في استقرار بيتك.

الاقتصاد سيحسم المرحلة المقبلة… وإيران تدخل اختبارها الثالث

تشهد المنطقة تحوّلًا عميقًا. فبينما تتصدر التوترات السياسية العناوين، فإن التحول الحقيقي اقتصادي في جوهره. لم يعد ميزان القوة يُقاس بالصواريخ أو التحالفات العسكرية فحسب، بل بالمرونة المالية، والقدرة على التكيّف الاقتصادي، وقوة الشراكات التجارية.

وعند قراءة المسار الإيراني، يمكن تحديد ثلاث مراحل مفصلية:

المرحلة الأولى: ثورة عام 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني، قدس روحه، والتي أعادت تعريف هوية الدولة وأرست نظامًا سياسيًا جديدًا.

المرحلة الثانية: مرحلة ترسيخ المؤسسات وتوسيع النفوذ الإقليمي في عهد آية الله الشهيد الإمام علي خامنئي، قدس روحه مع إدارة معقدة للعقوبات والتوترات مع الغرب.

المرحلة الثالثة (الحالية): الإصلاح الاقتصادي وإعادة التموضع المالي. وهي نقطة التحول الحقيقية. فالتحدي اليوم أقل أيديولوجية وأكثر تنمويًا واستراتيجيًا: كيف يُبنى اقتصاد قادر على تحمّل العقوبات طويلة الأمد؟ وكيف يتم التوجه شرقًا دون الإخلال بالتوازن؟

وفي هذا السياق، يمثل تعميق الشراكات مع الصين وروسيا محاولة لبناء شبكة بديلة أو موازية للنظام المالي الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك مواجهة، بل ما إذا كان بالإمكان خلق توازن اقتصادي جديد يقلل من فاعلية أدوات الضغط التقليدية؛ فإن نجحت هذه المرحلة، ستكتسب طهران قوة تفاوضية أكبر واستقرارًا داخليًا معززًا، ما يعزز موقعها الإقليمي. أما إذا تعثرت، فقد تتصاعد الضغوط الداخلية، بما يعيد تشكيل الحسابات في الخليج والمنطقة الأوسع.

وفي نهاية المطاف، لن تُحسم المرحلة المقبلة بالخطاب السياسي أو الاستعراض العسكري، بل بالأداء الاقتصادي؛ فالجهات التي تدير الإصلاح بكفاءة، وتنّوع شراكاتها، وتحقق نموًا مستدامًا، ستكون الأقدر على رسم ملامح النظام الإقليمي الناشئ.

نسأل الله أن يحفظ الجميع من مآسي الحروب، وأن يوفق صناع القرار للحكمة، وأن يكون التعاون الاقتصادي جسر تقارب لا طريق صراع.

** خبير تأمين وباحث اقتصادي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z