مرتضى بن محمد الجمالاني **
تمرّ المنطقة بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، عنوانها الظاهر توتر سياسي، لكن جوهرها اقتصادي بامتياز. لم يعد ميزان القوة يُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم التحالفات العسكرية، بل بقدرة الدولة على الصمود المالي، ومرونة اقتصادها، وشبكة شركائها التجاريين.
عند قراءة المسار الإيراني يمكن رصد ثلاث مراحل مفصلية:
المرحلة الأولى: ثورة 1979 بقيادة الإمام روح الله الخميني، حيث أُعيد تعريف هوية الدولة وبُني النظام السياسي الجديد.
المرحلة الثانية: مرحلة ترسيخ المؤسسات وتعزيز النفوذ الإقليمي في عهد علي خامنئي، مع إدارة معقدة لملفات العقوبات والصراع مع الغرب.
المرحلة الثالثة (الحالية): مرحلة الإصلاح الاقتصادي وإعادة التموضع المالي. هنا يكمن التحول الحقيقي. فالتحدي لم يعد أيديولوجيًا بقدر ما أصبح تنمويًا واستراتيجيًا: كيف تبني اقتصادًا قادرًا على الصمود في ظل عقوبات ممتدة؟ وكيف تُعيد توجيه البوصلة شرقًا دون فقدان التوازن؟
في هذا السياق، يبرز تعميق الشراكات مع الصين و"روسيا" كمحاولة لبناء شبكة بديلة أو موازية للنظام المالي الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. السؤال ليس هل هناك مواجهة، بل: هل يمكن خلق توازن اقتصادي جديد يقلل من فاعلية أدوات الضغط التقليدية؟
نجاح هذه المرحلة سيمنح طهران قدرة تفاوضية أعلى واستقرارًا داخليًا يُعزز نفوذها الإقليمي. أما التعثر، فسيضاعف التحديات الداخلية ويُعيد ترتيب الحسابات في الخليج والمنطقة.
الخلاصة أنَّ المرحلة المقبلة لن تُحسم بخطاب سياسي أو استعراض عسكري، بل بميزان الاقتصاد. من ينجح في إدارة الإصلاح، وتنويع الشراكات، وتحقيق نمو حقيقي، سيكون الأقدر على رسم معالم النظام الإقليمي الجديد.
** خبير في التأمين، وباحث اقتصادي
