الحروب والأسواق في دول الخليج

 

 

محمد أنور البلوشي

اجلس بهدوء على كرسي مريح. احتسِ فنجان قهوتك كأنك قائد عظيم، أو رئيس تنفيذي، أو رئيس وزراء، أو لاعب كرة قدم، أو رجل عادي، أو امرأة عادية، أو شاب أنهى دراسته الجامعية لتوّه.

توقّف لحظة وفكّر فيما يحدث ولماذا يحدث. قبل أن تنهي قهوتك الصباحية، اسأل نفسك: ما الذي كان ينبغي أن يحدث بشكل مختلف؟

سيسجّل التاريخ أن الشرق الأوسط لم ينهَر في ليلة واحدة، بل تآكل عبر سلسلة من القرارات—بعضها استراتيجي، وبعضها أيديولوجي، وبعضها سياسي عميق—اتُّخذت بعيدًا عن الشوارع والمدن التي شعرت فعليًا بعواقبها.

من غزو بغداد عام 2003 إلى التوترات الراهنة المُحيطة بإيران، أسهمت قرارات القيادات في واشنطن وتل أبيب بشكل كبير في تشكيل مسار المنطقة. إن مسؤولية الصراع لا تقع على طرف واحد، لكن القوى الكبرى تملك نفوذًا أكبر؛ وبالتالي تتحمّل قدرًا أكبر من المساءلة.

حرب العراق عام 2003، التي أُطلقت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، بُرّرت بادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل لم يُعثر عليها قط. وكانت النتائج كارثية. تشير أبحاث «مشروع تكاليف الحرب» في جامعة براون إلى أن مئات الآلاف من العراقيين لقوا حتفهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة نتيجة تلك الحرب.

وتُقدَّر الكلفة المالية التي تحمّلتها الولايات المتحدة بأكثر من تريليوني دولار. لكن بعيدًا عن الأرقام، أدّت الحرب إلى إضعاف المؤسسات، وتعميق الانقسامات الطائفية، وزعزعة استقرار المنطقة لسنوات طويلة.

أدّى سقوط بغداد إلى فراغ أمني سمح بظهور جماعات متطرفة مثل تنظيم "داعش". وتشرد الملايين، وانهارت البنية التحتية، وتبيّن أن الوعود بتحقيق ديمقراطية سريعة لم تكن واقعية. وكان الدرس واضحًا: إن التدخل العسكري دون تخطيط شامل لمرحلة ما بعد الحرب يولّد عدم استقرار طويل الأمد بدلًا من سلام مستدام.

وبعد سنوات، وفي عهد الرئيس دونالد ترامب، انسحبت الولايات المتحدة عام 2018 من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، التي صُممت للحد من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات.

وأدى الانسحاب إلى إعادة فرض عقوبات قاسية، ما خفّض صادرات إيران النفطية بشكل حاد وأسهم في ارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت 30% في بعض الفترات. رأى المؤيدون أن سياسة «الضغط الأقصى» ستُجبر إيران على تغيير سلوكها، بينما حذّر المنتقدون من أنها ستؤدي إلى تصعيد التوتر وتقليص فرص الحلول الدبلوماسية. وفي السنوات اللاحقة، شهدت المنطقة هجمات على منشآت نفطية، وحوادث ناقلات بحرية، وزيادة في الانتشار العسكري في الخليج.

واليوم يقف الخليج في الصفّ الأمامي لهذه التنافسات الاستراتيجية. فقرابة 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز. وأي مواجهة تتعلق بإيران تؤثر فورًا في أسواق الطاقة العالمية. وحتى التوترات المؤقتة قد تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وتزيد تكاليف التأمين البحري، وتُربك سلاسل الإمداد. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي التي تسعى إلى تنويع اقتصاداتها على المدى الطويل، فإن عدم الاستقرار يضعف ثقة المستثمرين ويعقّد التخطيط المالي.

وتظل نفقات الدفاع في الشرق الأوسط من بين الأعلى عالميًا مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، غالبًا ما تحتل السعودية موقعًا متقدمًا بين أكبر المنفقين عسكريًا في العالم. ورغم أن هذه النفقات تعكس مخاوف أمنية حقيقية، فإنها تحوّل الموارد بعيدًا عن قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والابتكار؛ وهي قطاعات أساسية لتحقيق تنمية مستدامة واقتصاد أكثر مرونة.

ويقتضي التحليل المتوازن الاعتراف بأنَّ فاعلين إقليميين، بمن فيهم إيران، انتهجوا سياسات خارجية حازمة وشكّلوا تحالفات بالوكالة. كما أسهمت تحديات الحوكمة الداخلية والفساد والانقسامات السياسية في تغذية عدم الاستقرار.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن القرارات التي يتخذها قادة أقوياء- سواء في واشنطن أو تل أبيب- تعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي لملايين الناس الذين لا يملكون تأثيرًا مباشرًا على تلك القرارات؛ فالعقوبات من دون دبلوماسية مستدامة، والضربات العسكرية من دون تسويات سياسية، والانسحاب من الاتفاقيات دون بدائل قابلة للتطبيق، كلها تخلّف آثارًا تراكمية. قد تتفاعل الأسواق المالية فورًا، لكن العائلات تعيش تبعات تلك القرارات لعقود؛ حيث ترتفع معدلات التضخم، وتتراجع فرص العمل، تتباطأ الاستثمارات، ويبحث الخريجون الشباب عن الاستقرار في بيئة اقتصادية غير مؤكدة.

إن دول الخليج ليست المعمار الرئيسي لهذه المواجهات العالمية، لكن موقعها الجغرافي يضعها في قلب التداعيات. شعوبها تسعى إلى التنمية والاستقرار والازدهار—لا إلى أزمات متواصلة.

ينبغي قياس القيادة في أعلى مستوياتها ليس فقط بالقوة، بل بالبصيرة وضبط النفس والالتزام بسلام طويل الأمد.

من بغداد إلى طهران، يُظهر المسار أن الأخطاء الاستراتيجية والسياسات التصادمية تحمل تكاليف تتجاوز أهدافها المباشرة. والسؤال ليس فقط من كان على صواب أو خطأ في قرار معيّن، بل ما إذا كان القادة سيتعلمون من نتائج الماضي أم سيواصلون تكرارها. والإجابة لن تحدد العناوين السياسية فحسب، بل ستشكّل الحياة اليومية لملايين الناس في أنحاء المنطقة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z