إيران والخروج الى المجهول

 

 

 

محمد السعداوي

تحضرني المقولة الشهيرة «أُكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض»، وهي مثل يُضرب عند الشعور بالندم يوم لا ينفع الندم. أَن تُعين دول العدوان على إيران أو تقف متفرجة، فهذا تنازل وتفريط في حقوق إقليمية ودولية تؤثر على توازن القوى في الشرق الأوسط. إسرائيل وأمريكا بدأتا بإيران -كما سبق وبدأتا بالعراق- ولكن الأمر لن ينتهي بإيران، سينتهي عندك. احترس ولا تضع نفسك فريسة للخداع، فما يطال غيرك اليوم يطالك غدًا.

تصريح أحمد داوود أوغلو، رئيس وزراء تركيا السابق، ينذر بكارثة إقليمية في الشرق الأوسط حال سقوط إيران. صمت الدول أو الحياد البارد لن يُبقي دول الشرق الأوسط بعيدةً عن نيران المواجهة الكبرى في المنطقة!

الرسالة الضمنية لداود أوغلو واضحة، الهجمات على إيران ليست مجرد تأديب لنظام، بل هي شرارة لتغيير حدود دول وهدم كراسٍ، ومن يظن أن حدوده محصنة فهو واهم.

أوغلو يحذر القادة والشعوب في المنطقة: "الدور سيأتي على الجميع يومًا ما". لا أحد في مأمن في هذه الغابة الدولية التي لا تعترف إلا بالقوة، والتخلي عن الجار اليوم يعني الوقوف وحيدًا أمام السكين غدًا.

صحيح أن إيران لم تحسن الجوار، وكانت مصدر قلق وتوتر في الخليج والشرق الأوسط، لكن الصحيح أيضًا أن إيران -رغم عدائها لمصر وبعض دول الخليج في فترات- كانت تُشغل إسرائيل على جبهات متعددة: لبنان، سوريا، العراق، اليمن. هذا الانشغال كان يمنح مصر ودول الخليج (هامش مناورة استراتيجي حقيقي). دراسات United Waters International  تؤكد أن إيران كانت حاجز ردع ضد الطموحات التوسعية الإسرائيلية لأربعة عقود.

انهيار هذا الهامش لا يعني الحرب المباشرة، يعني أن إسرائيل وأمريكا ستتفرغان للضغط على دول الخليج وغيرها من دول الشرق الأوسط للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، والدعم الكامل لإسرائيل في مخططها لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد، وإسرائيل الكبرى، وهو شيء ليس بخافٍ على أحد، فتصريحات نتنياهو وكثير من المسؤولين الإسرائيليين باتت معلنة دون أي تحفظ أو مواربة.

أما العلاقة مع مصر فسوف تتخذ أبعادًا أخرى، لن ترقى إلى الصراع العسكري أو المواجهة المباشرة، بل ستفتح ملفات حيوية مثل حل الدولتين، محور فيلادلفيا، التطبيع الكامل. الضغط الناعم -وهو الأخطر- للتطبيع الكامل.

القضية الحقيقية أن توازن القوى الإقليمي حين يختل يضع مصر أولًا، ودول الشرق الأوسط ثانيًا، في موقف استراتيجي أضعف، بصرف النظر عن متانة مؤسسات مصر الداخلية. كما أن تقرير Institute for National Security Studies يحذر صراحةً من أن سقوط إيران سيغيّر توازن القوى لصالح إسرائيل، وهذا سيضعف الموقف التفاوضي المصري في كل الملفات الإقليمية.

ولكن ماذا تفعل دولنا في الشرق الأوسط في هذا الظرف الحرج؟ وهل نملك الأدوات اللازمة للضغط أو المناورة؟ وما الدور الذي يتعين على دولنا العربية القيام به بعد أن زادت إيران من هوة الخلاف، واستهدفت دول الخليج بصواريخها؟

الحقيقة أن إيران قضت على الأخضر واليابس، ومع ذلك تعمل مصر وسلطنة عُمان ودول الخليج -رغم تضررها- في محاولات لوقف التصعيد، وهو ما سيتضح في الأيام المقبلة.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z