صبري الموجي **
«خالفْ تُعْرَف».. مثلٌ عامي ورثناه كابرا عن كابر، يُقال لمن يُخالِفُ الثابت، ويشذُّ عن المألوف من أجل الشهرة والذيوع، ولا شك أنَّ مخالفة الغير ليست عيبا؛ ما دامت تستند إلى حجة منطقية، ويقويها الدليل البعيدُ عن التَّحيز والهوى.
أمَّا أن يُخالِفَ المرءُ لمجرد الخلاف بُغية الشهرة، وأن يجوب اسمُه الآفاق، فهذه هي الأنانية والرعونة بعينها؛ إذ إنَّ المجتمع لا يجني من وراء ذلك طائلا إلا البلبلة واللغط، وتشكيك العامة في ثوابتَ حرصَ علماءُ السلف على ترسيخها في الناس جيلا بعد جيل.
من دواعي الأسف أنّ حاملي الشعار آنف الذكر، لم يجدوا غير الدين مسرحا يجسّدون عليه أدوارهم الهزلية، وينشرون آراءهم الشاذة، وفكرَهم الضال زاعمين أنهم دعاةٌ تجديد، رغم أنهم في الحقيقة نُذر شؤم، وأبواقُ فتنة، ورُسلُ هدمٍ وتخريب لا دعوة وإصلاح.
والسرُّ في ذلك أنهم بدعاوى التجديد تلك يتألَّهون على ربّ البشر؛ حيث يُؤكد لسانُ حالهم: (أن ما جاءنا من عند رب الناس ليس صالحا لكلّ زمان ومكان، وأنهم أوتوا من الحكمة والذكاء ما يُؤهلهم ليغيّروا ما جاء به الشرعُ عبر الأنبياء والرسل؛ ليتوافق مع مُتطلبات الناس وحاجة العصر).
وقد تعدّدتْ أباطيلُ من يُسمَون بالنُخبة، أو الصفوة من دُعاة تجديد الخطاب الديني، رغم أنَّ الدين منهم براء، واستشرت مؤخرا حملتُهم الإلحادية الموجَّهة، فمنهم من ادَّعى أنَّ الصيام قسوةٌ ربانية، مارس بها الحقُّ سبحانه سلطانَه على عباده، ومنهم من شكّك في انقطاع الوحي بعد موت النّبي صلى الله عليه وسلم، واتهم التاريخ الإسلامي بالتزييف، ورفضَ السنة النَّبوية بحجّة أنَّ أحاديث النبيِّ نَزلتْ في عصرٍ يُخالِف عصرنا، ومن ثم يجب علينا أن نأخذَ منها ما يُناسِب عصرنا ونرفض الباقي!
ومنهم من شَتمَ الصحابة الكرام، ووصفهم بأحطِّ النعوت. ومنهم من طعنَ في صحيحيِّ البخاري ومسلم، ليس بغرضِ التقييم والنقد العلمي البناء، لكن بغرض الطعن في السنة كلِّها من خلال التشكيك في أصحّ كتبها.
ومن تلك الأباطيل أيضا مطالبةُ أزهريين، يُشار إليهم بالبنان، بأن تتساوى المرأة مع الرجل في الميراث تأكيدا لمبدأ المساواة، وهو مطلبٌ في ظاهره الرحمة، وفي باطنه العذاب؛ لأنّ مساواةَ المرأةِ بالرجل في الميراث ظلمٌ للمرأة والرجل معا. ظلمٌ للرجل لأنَّ له القوامة، وعليه تدبيرُ أمور المعيشة وكفالة المرأة والأولاد، ومن ثم فزيادةُ نصيبه في الميراث ضرورة. وظلمٌ للمرأة؛ إذ إنها بتلك المساواة المزعومة ستقف على طَرفِ نقيض مع الرجل، وتكون ندًا له، رغم أنَّ جمالها، يكون في رقتها وضعفها. وأنوثتُها تكونُ في لينها، وليس ترجُّلِها ونزولها مُعترك الحياة، شأنها شأن الرجل. وظلمٌ لها في تحمل مسئولية هذا المال ورعايته، وطرق إنفاقه. وظلمٌ لها أيضا، لأنَّه ـ أي المال ـ يجعلُها مَطمعا، فيحوم حولها ذوو القلوب المريضة؛ ظنا أنّها قنصٌ سهل المنال!
إنَّ أنوثةَ المرأة، هي سرُّ جمالها ومن مقتضيات تلك الأنوثة أن تقرَّ المرأة في بيتها، ولا تخرج إلا لضرورة حدَّدها الشرعُ، ووضّحها العلماء، ومُخالفة ذلك تشكيكٌ في قول الحق سبحانه: {ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيف الخبير}.
أضف إلى ما سبق أنَّ رفضَ البعض أنْ يأخذَ الرجلُ ضِعف المرأة في الميراث رفضٌ يُؤججه الجهل؛ إذ إنَّ حصولَ الرجل على ضِعف ما تأخذه المرأة، ليس قاعدة مُطّردة في الميراث؛ لأنَّ هذا لا يكون إلا إذا تساويا (الرجل والمرأة) في درجة القرابة، وكان موقعهما في الجيل الوارث واحدا، كأنْ يكون هناك ولدٌ وله أختان. وباستثناء تلك الحالة نجد أنَّ الذكر لا يأخذ ضِعف الأنثى، بل إنَّ هناك حالات يكون نصيبُ الأنثى أكثرَ من الرجل، وفي حالات أخرى، ترث فيها الأنثى ولا يرث الرجل، كما يتضح لمن يبحث في علم الفرائض (المواريث) المُنزَّلِ من قبل من لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء.
وإذا كنا نعتبرُ تَقوُّلَ غير الطبيب في الطب جريمة في حق المجتمع؛ لأنَّ في ذلك متاجرة بالأرواح، فإنَّه من باب أولى أن نُجرّم التطاول على الدين مِنْ قِبل «كُسيرٍ وعوير وثالثٍ ما فيه خير»، ومن باب أولى من قِبل مُعممين، سقطتْ عن رأسهم العمامة في زَحمة التفرنج، وبدلا من أن يكونوا دعاةَ إصلاح، صاروا أبواق فتنة!
** مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية
