آية السيابي
تتميز العمارة العُمانية القديمة، باحتوائها على مادة تُعتبر سر قوة ومتانة البناء في السلطنة على مر الأزمان، فهذه المادة هي التي تمنح الجدران صلابة ضد الأنواء المناخية المختلفة. وتحميها من غضب الماء الذي يُعتبر المسبب الأول لتشققات الحوائط، تلك المادة كانت تسمى الصاروج؛ وهي عبارة عن خليط من الطين المحروق والجير، وقد استُخدم كثيرا في تشييد الحصون والقلاع والأفلاج، ليقاوم الرطوبة ويمنح البناء عمرًا أطول يمتد إلى مئات السنين. ما جعلنا نشهد اليوم تاريخ المعارك التي خاضتها البلاد منطلقين من صروحها التاريخية التي بنيت من الصاروج.
ليس من المصادفة إذن أن تحمل شركة الصاروج للإنشاءات والتطوير هذا الاسم؛ فالاسم في ذاته إحالة إلى جذور العمارة التاريخية التي صنعت متانة البناء العُماني قرونا قبل أن تعرف البلاد الخرسانة المسلحة بشكلها الحالي. وقد تأسست شركة الصاروج للإنشاءات والتطوير عام 1976، في مرحلة كانت السلطنة تعيد رسم بنيتها الأساسية على نطاق واسع. في تلك السنوات، كان البناء نهضوي، وكانت الحاجة ملحة إلى وجود شركات وطنية قادرة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية لتأسيس البلاد عمرانيًا.
ومن هنا ظهرت شخصية قيادية تبنّت قيام أحد عناصر النهضة العمرانية، وهو رجل أعمال قدم إلى عُمان زائرًا، وآمن بعُمان وطنًا ومسارًا طويل الأمد. هذا الرجل هو سيمون كرم، وهو أحد مؤسسي شركة الصاروج للإنشاءات والتطوير، احدى شركات مجموعة الطاهر التي تضم تحت مظلتها عددًا من الشركات العاملة في مجالات النفط والطاقة والأعمال البحرية. أمضى سيمون كرم أكثر من 45 عامًا في السلطنة، ومُنح الجنسية العُمانية في العام 2013، تقديرًا لجهوده وإخلاصه لهذا البلد الطيب. وقد كان سيمون كرم من المؤسسين لعدد من الجمعيات المهنية في قطاع المقاولات والطاقة والمياه. تقوم فلسفة سيمون كرم على بناء علاقة مستدامة. ونجد فلسفته اليوم وقد تحولت إلى ثقافة داخل شركة الصاروج للإنشاءات والتطوير، وجعلتها شريكًا في مشاريع مفصلية امتدت من أنظمة إمداد المياه الأولى على نطاق واسع، إلى الأعمال البحرية الرائدة، إلى مشاريع النفط والغاز والطرق والبنية الأساسية في مختلف محافظات ومناطق السلطنة. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، لم تتوقف الصاروج عند حدود التنفيذ التقليدي. فقد دخلت بمرور الزمن في مجال محطات معالجة المياه، ونفذت أول مشروع نفق في السلطنة عام 2013، ثم محطة للطاقة الشمسية عام 2019، وصولًا اليوم إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإنشاءات عام 2023.
هذا الانتقال من مادة تقليدية تحمي البناء من الرطوبة، إلى تقنيات حديثة تحمي المشاريع من المخاطر، يكشف انسجام الاسم مع المسار؛ فالصاروج كمادة فيما مضى، كان عنصر الحماية غير المرئي للبناء. واليوم، تسعى شركة الصاروج للإنشاءات إلى أن تكون عنصر الاستدامة والابتكار في بنية تتجه نحو المستقبل لتحاكي رؤية "عُمان 2040".
من هنا، نستطيع القول إن شركة الصاروج، قد ساهمت قديما في وضع حجر الأساس للنهضة العمرانية، واليوم تشارك في صناعة ذاكرة عمرانية حديثة للسلطنة تحت ظل القيادة الرشيدة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه.
