إعادة هندسة التعمين لتحقيق رؤية "عُمان 2040"

 

 

 

أ.د. هشام البحيري

hesham.b@uob.edu.om

 

 

منذ أن ظهر مصطلح إعادة الهندسة (Reengineering) كإحدى الصيحات الجديدة في عالم الإدارة في التسعينيات من القرن العشرين على أيدي اثنين من كبار العلماء، هما مايكل هامر Michael Hammer وجيمس شامبي James Champy، ونحن نرى العديد من المنظمات والدول الكبرى تعتمد عليه في تطوير مختلف جوانب العمل بها.

وقبل أن نتناول مقترحاتنا باستخدام هذا المفهوم الحديث في الإدارة في عمليات التعمين في سلطنة عُمان، ينبغي أن نعرض لك عزيزي القارئ المفهوم الدقيق لهذا المصطلح، وخاصة أن الكثير من الدول العربية تطلق عليه مصطلحًا خاطئًا هو "الهندرة" ولا يوجد في اللغة أو في العلم مثل هذا المفهوم، لذا وجب التصحيح والتدقيق.

إنَّ المقصود بإعادة الهندسة: "إعادة التصميم السريع والجذري للعمليات الإدارية الاستراتيجية وذات القيمة المضافة الجوهرية، وكذلك للنظم والسياسات والبنى التنظيمية المساندة، بهدف تعظيم تدفقات العمل وزيادة الإنتاجية بصورة خارقة".

ويتضح من هذا المفهوم، أن جوهر عملية إعادة الهندسة هو العمليات الإدارية وليست الوظائف الإدارية؛ بمعنى التركيز على سلسلة الأنشطة الإدارية المترابطة التي تحوِّل مُدخلات العمل إلى مُخرجات. وغني عن البيان أن إعادة الهندسة لا تستهدف كافة العمليات، وإنما تستهدف العمليات الاستراتيجية والعمليات عالية القيمة والمحورية فقط، ولا تهتم بالعمليات الجانبية أو المكملة أو المساندة أو الهامشية.

ولما كانت عمليات التعمين، تعد من العمليات الرئيسة والمحورية والتي تنطوي عليها رؤية "عُمان 2040"؛ باعتبارها المرجع الوطني للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي لسلطنة عُمان خلال الفترة 2021-2040، ومنها تنبثق الاستراتيجيات الوطنية القطاعية والخطط الخمسية للتنمية. ولما كانت عملية بناء الإنسان العُماني ومساهمته في صناعة مستقبل عُمان يعد من الأولويات الوطنية الأولى في رؤية "عُمان 2040"، لذا ينبغي إعادة هندسة عمليات التعمين بغرض تفعيل مخرجاتها، وتمتين قدرات العُمانيين الراغبين والقادرين على العمل. وما نقصده بكلمة "تمتين" هنا هو تعزيز نقاط القوة، أو تعظيم قدرات الأكفاء أو ما يطلق عليهم (القوى العالمة) وليس القوى العاملة، وهم طبقة الموظفين العاديين.

إن شعب عُمان من الشعوب القادرة على تفهم التطور واستيعاب المتغيرات الجديدة، والتكيف مع الظروف، شريطة توفير هذا التطور بشكل احترافي ودقيق، لذا إذا أردنا تسريع عمليات التقدم الاقتصادي، وتنوير الشباب بآليات العمل الصحيح والاحترافي، فينبغي أن نخضعهم لبرامج تعمين استراتيجية حديثة تقوم على مجموعة المرتكزات التالية:

1- تغيير ثقافة العمل في المنظمات العُمانية، من النظرة الضيقة للوظائف إلى النظرة الواسعة.

2- تغيير النظرة للموظفين العُمانيين من محكومين إلى متمكنين.

3- تغيير الهيكل التنظيمي للمؤسسات العُمانية من الشكل الهرمي التقليدي إلى الشكل المصفوفي (شكل فرق العمل).

4- أن يصبح مرتكز الأداء في المنظمات العُمانية هو العملية الإدارية بدلًا من الأقسام الإدارية.

5- تغيير قياس الأداء في المؤسسات العُمانية من نشاط إلى نتيجة.

6-  تغيير مهمة المديرين من الإشراف إلى التعليم.

7- تغيير رؤية المدير العُماني من مراقب أو صراف أو موقع شيكات وجزاءات إلى قائد جدير.

8- تغيير الأولويات من الإيرادات المالية إلى أداء العمليات نفسها.

9- تغيير اهتمام الموظف العُماني من إرضاء المدير إلى ارضاء العميل.

10- زيادة الاهتمام بما ينجزه فريق العمل وليس ما ينجزه كل فرد فيه.

11- ضرورة أن تستند الحوافز إلى النتائج.

12- أن يتم النظر للأمور بعين العميل الخارجي وليس بعيون الموظفين الداخليين.

13- أن يتم تطوير برامج التعليم الفني والحرفي لكي تتواكب مع متطلبات العصر.

14- أن يتم تغيير الثقافة السائدة لدى الشعب العُماني بشأن بعض الأعمال المهنية، والحرفية.

15- الاهتمام بتطوير المشروعات والمنظمات الصغيرة والمتوسطة، وتأهيل جيل جديد من رواد الأعمال العُمانيين.

16- توفير حاضنات الأعمال الداعمة والمحفزة للمشروعات والمنظمات الصغيرة.

17- الاهتمام بتوفير برامج تدريب وتطوير نوعي متخصص للعُمانيين، شريطة انتقاء المدربين القادرين على تنفيذ تلك البرامج باحترافية شديدة، وفي ضوء ثقافاتنا العربية وليست الأجنبية.

إن تحسين عمليات التعمين لا يجب أن ينظر إليها بفكر الجزر المنعزلة، بمعنى أنها مسؤولية وزارة العمل العُمانية وحدها، أو وزارة التنمية الاجتماعية أو وزارة التعليم أو ومراكز التدريب والكليات التقنية فقط؛ بل ينبغي أن يُنظر إليها بفكر الفريق الواحد، وهذه النظرة الشمولية والتعاون المثمر بين مختلف القطاعات والمؤسسات العُمانية في تناول إشكاليات التعمين سوف يسهم بلا شك في علاج تلك الإشكاليات، ويسهم في خلق جيل جديد من العُمانيين قادرًا على تبوؤ مسؤوليات العمل في السلطنة. ووقتها يمكن الاستغناء عن الوافدين، ولكن قبيل أن نقدم الشكر لهؤلاء الوافدين، والذين عملوا في داخل السلطنة لسنوات عديدة، ونقول لهم إلى اللقاء، ينبغي أن نتأكد جيدًا من إعداد جيل من العُمانيين قادرًا على تحمل المسؤولية، وقادرًا على ممارسة العمل الذي كان يقوم به الوافدين من مختلف الجنسيات، ولو بنسبة كفاءة 70%، ولن أقول 100%؛ وذلك لأن الوافد لم يصل للمستوى الاحترافي في العمل داخل عُمان إلا بعد أن جرَّب، واكتسب خبرات وتعلَّم، لذا ينبغي أن نجد العذر للموظفين العُمانيين تجاه بعض الأخطاء، وأن يتسع صدر القيادات في كافة المؤسسات العُمانية لاستيعاب أخطاء نقص الخبرة لدى بعض العُمانيين، مع ضرورة تقديم الدعم الكافي ونقل الخبرة بسلاسة ودون انتقاد حاد، لأن طبيعة الشباب العُماني من جيل الألفية الثالثة، يعد من الشباب الحساس والذي ينبغي التعامل معها باحترافية شديدة، وباحتواء لكونه جيلًا مختلفًا عن جيلنا، جيل الألفية الثانية.

ولما كان واقع الأمر ينطوي على قاعدة رئيسة "أنه لا يمكن إدارة شباب القرن الـ21 بأسلوب الإدارة الذي كان مطبقًا في القرون الماضية"، لذا ينبغي على المسؤولين والقياديين في داخل كافة المؤسسات العُمانية، وعند تخطيط عمليات التعمين، مراعاة عدم الخلط بين الوحدات التنظيمية والعمليات، كما ينبغي عليهم حث الموظفين العُمانيين على الشعور بالألفة مع العمليات أكثر من الهياكل التنظيمية، وأن يتحول محور اهتمام الموظف العُماني بالتعود على أداء العمليات وإغفال التعود على أداء وظائف الإدارات.

وإذا تساءلت- عزيزي القارئ- لماذا تعوَّد الموظف العُماني على الخلط بين الوحدات التنظيمية والعمليات؟ فإن إجابتي- بناء على تشخيص دقيق لواقع بيئة العمل العُمانية- أن السبب في ذلك يرجع إلى:

1-      أن حدود الإدارات واضحة ومرسومة على الهيكل التنظيمي لأي منظمة عُمانية، بينما العمليات تكون في الغالب غير مرسومة.

2- كما أنه يوجد أسماء محددة تطلق على أي إدارة عُمانية بينما لا توجد أسماء للعمليات في الغالب.

إن الاستراتيجيات الحديثة في عمليات التوطين والمطبقة في الكثير من دول العالم الآن، تقوم على توعية وتأهيل الباحثين عن العمل، والممارسين للعمل بالفعل على العمل وفقًا لفقه العمليات، مع إعطاء مسمى لكل عملية من خلال تطبيق منظور النظم بمعنى، تحديد مدخلات كل عملية، ومخرجاتها، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:

1- (من الفكرة إلى النموذج) يطلق عليها.. عملية تطوير منتج.

2- (من شراء المواد إلى شحن المنتج) يطلق عليها.. عملية التصنيع.

3- (من عميل محتمل إلى عميل يشتري) يطلق عليها.. عملية البيع.

4- (من تلقي الطلب إلى سداد قيمة الطلب) يطلق عليها.. عملية تلبية الطلب.

5- (من الاستفسار إلى تقديم الحل) يطلق عليها.. عملية الخدمة.

ولو استفدنا من هذا المفهوم، فإنه يمكننا إعادة النظر في عمليات التعمين وإطلاق مسميات مختلفة ومتنوعة على مختلف العمليات الإنتاجية في داخل المنظمات العُمانية المسؤولة عن تأهيل وتدريب وتطوير قدرات العُمانيين.. مثلًا:

-        عملية إعداد أخصائي موارد بشرية عُماني محترف.

-        عملية إعداد أخصائي مشتريات عُماني محترف.

-        عملية إعداد أخصائي تسويق عُماني محترف.

-        عملية إعداد استشاري مبيعات عُماني محترف.

-        عملية إعداد مسؤول خدمة عملاء عُماني محترف.

-        عملية إعداد مدير عُماني محترف.

-        عملية إعداد قيادات جامعية عُمانية محترفة.

-        عملية إعداد مديري مستشفيات من العُمانيين.

-        عملية إعداد مديري فنادق عُمانيين.

-        عملية إعداد قيادات بنكية عُمانية محترفة.

-        عملية إعداد نجار عُماني محترف.

-        عملية إعداد سباك عُماني محترف.

-        عملية إعداد حداد عُماني محترف.

-        عملية إعداد فني صيانة عُماني محترف.

 وهكذا لمختلف الوظائف وفرص العمل المتاحة.

إنني لدي كل الثقة في مستقبل سلطنة عُمان، طالما أنها ستعتمد على أبنائها المخلصين، إن عُمان (أرض الشمس، وأرض الخير) لا تحتاج إلا لتضافر الجهود، وصفاء النية نحو تطوير قدرات المواطنين. ولما كنت واحدًا ممن يعملون على أرضها، ويترزق من خيراتها، لذا اسمحوا لي أن أقدم هذه المبادرة كهدية مستحقة لهذا الشعب العظيم "تأهيل وتدريب 10 آلاف مواطن عُماني"؛ حيث إنني سبق لي العمل على تطوير أبناء اليمن والسودان والسعودية والإمارات ومصر، لذا فلقد آن الأوان لكي نوفِّي عُمان حقها. فهل هناك من يدعم تحقيق هذه المبادرة لتنفيذها على أرض الواقع؟

** أستاذ إدارة الموارد البشرية بجامعتي البريمي والقاهرة، وخبير التطوير الشخصي والمؤسسي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z